د. إيمان بشير ابوكبدة
هل تساءلت يوماً كيف ترى الذبابة العالم من حولها؟ بينما قد تبدو حياتها مجرد وجود عابر، إلا أن إدراكها البصري يمثل عالماً فريداً ومختلفاً تماماً عن عالمنا. لفهم هذا العالم الصغير، علينا أن نتعمق في التركيب المعقد لأعينها، وما يميزها عن أعيننا، وكيف يمكن أن يساعدنا هذا الفهم في مكافحة الأمراض.
العيون المركبة: سر الرؤية الفريدة
تختلف عينا الذبابة تماماً عن عيوننا. فبينما يمتلك الإنسان عدسة واحدة، تتكون العين الرئيسية للذبابة من مئات أو آلاف العدسات الصغيرة التي تُسمى “العيون المركبة”. فعيون ذبابة المنزل تحتوي على حوالي 5000 عدسة، وكل عدسة تمثل جزءاً من وحدة بصرية تُعرف باسم “العقيمة”.
هذا التركيب الفريد يؤثر على قدرة الذبابة على تمييز الأشكال والتفاصيل. فالمعلومات البصرية التي تجمعها كل عقيمة تشبه “بكسل” الصورة، ويتم توليد صورة كاملة من خلال مقارنة هذه البكسلات المتجاورة. ونتيجة لذلك، لا تستطيع الذبابة رؤية التفاصيل الدقيقة كما يراها الإنسان. على سبيل المثال، إذا كان بصر الإنسان 20/20، فإن الذبابة تحتاج أن تكون على بُعد 6 سم فقط لترى التفاصيل التي يمكن للإنسان أن يراها من مسافة 6 أمتار.
السرعة تعوض النقص في التفاصيل
رغم ضعف رؤيتها في التفاصيل، تتميز الذبابة بسرعة استجابة بصرية مذهلة. حيث تستطيع مستقبلات الضوء لديها الاستجابة أسرع بكثير من مستقبلات الضوء لدى البشر. فبينما يرى الإنسان الضوء الوامض كضوء ثابت بمعدل 50 ومضة في الثانية، يمكن للذبابة أن تميز أكثر من 200 ومضة منفصلة في الثانية.
هذا يفسر لماذا يكون ضرب ذبابة أمراً صعباً للغاية. فبالنسبة لها، حركتنا البطيئة تبدو وكأنها تحدث في تسلسل من الصور الثابتة، مما يمنحها وقتاً كافياً للهروب قبل أن نتمكن من ضربها.
تكيّف بصري متخصص
يظهر التكيف البصري للذباب أيضاً في الاختلاف بين الذكور والإناث. فعيون ذكور الذباب تلتقي في الجزء العلوي والأمامي من الرأس، بينما عيون الإناث تحتوى على فجوة واضحة. هذه المنطقة الإضافية لدى الذكر تُسمى “نقطة الحب”، وتوفر له حساسية أفضل للأجسام الصغيرة وسريعة الحركة، وهو ما يُعد ضرورياً لمطاردة الإناث أثناء الطيران.
كما تتكيف أنواع أخرى من الذباب، مثل الذبابة القاتلة، لتمتلك مهارات بصرية ممتازة تساعدها في اصطياد فرائسها الصغيرة أثناء الطيران.
فهم رؤية الذباب لمكافحة الأمراض
قد يبدو الأمر مجرد فضول علمي، لكن فهم رؤية الذباب يمكن أن يساعدنا في تطوير طرق جديدة لمكافحة الآفات. فالكثير من أنواع الذباب تنقل أمراضاً خطيرة للإنسان والحيوان، مثل “مرض النوم” الذي تنقله ذبابة “تسي تسي”.
يُعد إدراك الذباب للألوان جزءاً هاماً في هذا السياق. فعلى عكس الإنسان الذي يمتلك ثلاثة أنواع من المستقبلات الضوئية للألوان (الأزرق، الأخضر، والأحمر)، تمتلك الذبابة خمسة أنواع من المستقبلات، بما في ذلك نوعان حساسان للأشعة فوق البنفسجية.
من خلال دراسة إدراك الذباب للألوان، تمكن العلماء من تطوير أهداف قماشية بألوان معينة لجذب الذباب، مثل اللون الأرجواني، الذي وُجد أنه أكثر جاذبية لذباب تسي تسي والذباب المنزلي أيضاً.
