كتب السيد عيد
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتضيع الحقيقة بين ضجيج الشاشات، يبقى صوت واحد يخرج من بين جدران الأزهر الشريف يحمل المهابة والصدق واليقين… إنه صوت العالم الجليل الدكتور أحمد عمر هاشم، أحد أبرز علماء الأزهر في العصر الحديث، ورمز من رموز الوسطية والعلم الشرعي الرصين.
من قرية بسيطة إلى منابر العالم
وُلد أحمد عمر هاشم في السادس من فبراير عام 1941 بقرية بني عامر، مركز الزقازيق بمحافظة الشرقية. خرج من بين ترابها الطيب إلى أروقة الأزهر الشريف، حيث نهل من علوم الدين حتى نال درجة الدكتوراه في الحديث وعلومه، ليصبح بعد سنوات قليلة أستاذًا مرموقًا، ثم رئيسًا لجامعة الأزهر، وهي المكانة التي لم يَبلغها إلا من جمع بين العلم والأخلاق والهيبة.
منذ صغره، كان شغوفًا بحفظ الحديث الشريف وفهمه، حتى لُقّب بين طلابه ومحبيه بـ”حافظ الحديث”، إذ لا تكاد تمر مناسبة دينية إلا ويستشهد خلالها بعشرات الأحاديث النبوية، يرويها بدقة العالم وخشوع المؤمن.
رئيس جامعة الأزهر… والوجه الأزهري الإعلامي
عام 1995، عُيّن الدكتور أحمد عمر هاشم رئيسًا لجامعة الأزهر، فكان وجهًا مشرفًا للمؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي. لم يكن مجرد إداريٍّ في منصب، بل كان قائدًا تربويًا، حرص على ربط العلم الأكاديمي برسالة الأزهر الدعوية.
خلال فترة رئاسته، انتعشت الحركة العلمية داخل الجامعة، وتوسعت البرامج الدعوية والبحثية، وظل مكتبه مفتوحًا للطلاب والعلماء والمفكرين على حد سواء.
ثم انتقل ليكون عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، وهو أحد أعلى المراجع الدينية في مصر والعالم الإسلامي، كما شارك في الحياة العامة من خلال عضويته في مجلس الشعب ومجلس الشورى، وكان دائم الحضور في لجان صياغة الخطاب الديني، مدافعًا عن سماحة الإسلام واعتداله.
صوت على منبر الإعلام
عرفه الناس أكثر عبر شاشات التلفزيون المصري، حيث ترأس لجنة البرامج الدينية، وشارك في إعداد وتقديم العديد من البرامج التي شكلت وجدان أجيال من المصريين.
كان حضوره على الشاشة مميزًا: نبرة هادئة، وعين دامعة حين يتحدث عن النبي ﷺ، وصوت تفيض منه الهيبة والعاطفة معًا. لا يتحدث كثيرًا عن السياسة، لكنه إذا تكلم عن الوطن، تكلم بلسان المؤمن المحب الذي يرى في حب مصر عبادة.
مؤلفات تُضيء الطريق
لم يكن الدكتور أحمد عمر هاشم خطيبًا فحسب، بل كان صاحب قلم لا يقل قوة عن صوته. من أبرز مؤلفاته:
من هدى السنة النبوية
الشفاعة في ضوء الكتاب والسنة والرد على منكريها
الإسلام وبناء الشخصية
الإسلام والشباب
قصص السنة
وكلها كتب جمعت بين السلاسة العلمية والروح الدعوية، وقد اتخذها طلاب العلم مرجعًا لفهم الحديث الشريف في ضوء الواقع المعاصر.
محبة الناس… وشهادة الدولة
في السنوات الأخيرة، ومع تقدمه في العمر، ظل الدكتور أحمد عمر هاشم حاضرًا في القلوب والميادين.
وفي أحد مشاهد التقدير التي لن تُنسى، ظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي يقبّل رأسه أثناء صلاة العيد، في لقطة لامست قلوب المصريين جميعًا، كأنها رسالة وفاء لعالم أعطى عمره للعلم والوطن والدين.
وقد تعرّض الشيخ مؤخرًا لوعكة صحية بسيطة، تناقلتها وسائل الإعلام بقلق بالغ، لكن محبيه تنفسوا الصعداء حين أعلن الأطباء استقرار حالته. فقد أدرك الجميع أن غياب صوته – ولو مؤقتًا – هو فقدان لجزء من ذاكرة الأزهر ذاته.
بين الأزهر والوطن… مسيرة لا تُنسى
يمثل الدكتور أحمد عمر هاشم مدرسة متفردة في الخطاب الديني، تقوم على الرحمة لا الغلظة، وعلى الفهم لا الحفظ، وعلى الوسطية لا التشدد.
هو نموذج للعالم الأزهري الذي يجمع بين العلم والإخلاص، بين الوقار والتواضع، بين القديم والجديد.
وفي زمن يحتاج فيه الناس إلى من يُذكرهم بجوهر الإسلام الحقيقي، يبقى الدكتور أحمد عمر هاشم شاهدًا على أن الدين ليس صراعًا، بل سلام، وأن العلم ليس كلمات في الكتب، بل نور في القلوب.
وفاته… رحيل المفكر والداعية
في صباح يوم الثلاثاء، السابع من أكتوبر 2025 توفي الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بجامعة الأزهر، بعد رحلة طويلة من العطاء العلمي والدعوي. وحسب ما أعلنته المصادر الإعلامية، فقد رحل الفقيد قبل الفجر، وسيُشيَّع جثمانه ظهر اليوم من المسجد الأزهر إلى مثواه الأخير.
وقد ذُكر أن الشيخ هاشم كان يُعاني منذ أسابيع من وعكة صحية أدت إلى تدهور حالته، وقد زار فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الفقيد في المستشفى للاطمئنان عليه قبل وفاته بوقت قصير، في لفتة من أعلى درجات التكريم.
ولقد أثار إعلان الوفاة حالة من الحزن العميق في أوساط العلماء والدعاة والمحبّين، الذين رأوا في رحيله نهاية لحقبة من الدعوة الهادئة، وعلم من أعلام الأزهر الذين لن يُنسوا صوته، ودموعه، وكلماته التي بلغت القلوب قبل الأسماع.
أحمد عمر هاشم… صوت الأزهر الذي لم يخفت
11.1K
