بقلم د.نادي شلقامي
في عالم يغرق في صور “الكمال” المضللة، ينتشر صامت يهدد أرواح الملايين، هو القهم العصبي (Anorexia Nervosa). هذا الاضطراب لا يقتصر على مجرد “حمية قاسية”، بل هو مرض نفسي وجسدي معقد، يتحول فيه الهاجس العابر بالشكل والوزن إلى محاولة قهرية للتجويع والسيطرة، حتى وإن كان الثمن هو الانهيار الجسدي الكامل. كثيرون يرون المصابين به كأشخاص اختاروا النحافة، ولكن الحقيقة أعمق وأكثر إيلاماً: إنهم محاصرون بخوف مرضي من زيادة الوزن وتشوه في إدراك شكل أجسادهم، يقودهم إلى نقص حاد في الوزن يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة ومهددة للحياة. فما هو هذا الصراع الداخلي؟ وما هي جذوره العميقة وطرق التعامل معه؟
القهم العصبي (Anorexia Nervosa)
القهم العصبي هو اضطراب أكل خطير يهدد الحياة، يتميز بالوزن المنخفض بشكل غير طبيعي، والخوف الشديد من زيادة الوزن، والنظرة المشوهة للوزن أو شكل الجسم.
1. التعريف
أ- اضطراب نفسي خطير: يصنف على أنه اضطراب في الأكل يتميز بتقييد شديد في تناول الطعام.
ب- انخفاض الوزن الحاد: يؤدي إلى وزن جسم أقل بكثير من الوزن الطبيعي المتوقع للعمر والطول.
ج- الخوف المرضي: يتميز بخوف هائل ومستمر من زيادة الوزن أو السمنة، حتى عندما يكون الشخص نحيفاً بشكل واضح.
د- تشوه في الإدراك: يرى المصاب نفسه بديناً أو يركز على عيوب معينة في جسمه، وينكر نحوله وخطورة حالته الصحية.
2. الأسباب
لا يوجد سبب واحد، بل هو تفاعل معقد بين عدة عوامل:
أ. العوامل البيولوجية والجينية:
1- الوراثة: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الأكل أو اضطرابات نفسية أخرى (كالاكتئاب والقلق) يزيد من خطر الإصابة.
2- تغيرات كيميائية في الدماغ: قد تؤثر التغيرات في مستويات الناقلات العصبية (مثل السيروتونين والدوبامين) على الشهية والمزاج والتحكم في الاندفاع.
ب. العوامل النفسية:
1- السمات الشخصية: مثل الكمالية المفرطة، والحاجة الشديدة للسيطرة، والحساسية العالية، والقلق.
2- تدني تقدير الذات: ربط القيمة الشخصية بالوزن والشكل والمظهر الخارجي.
3-صعوبة التعامل مع المشاعر: استخدام قيود الأكل كوسيلة للتعامل مع التوتر، الغضب، أو القلق.
4- اضطرابات مصاحبة: مثل اضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري أو الاكتئاب.
ج. العوامل البيئية والثقافية:
1- الضغوط الثقافية والاجتماعية: التركيز الشديد على النحافة كمعيار للجمال والنجاح في وسائل الإعلام والمجتمع.
2- الانتقادات الأسرية: التعرض للانتقاد أو التعليق السلبي على الوزن أو شكل الجسم من قبل أفراد العائلة أو الأقران.
3- البيئة المهنية: المشاركة في أنشطة أو رياضات (مثل عرض الأزياء أو الجمباز أو الباليه) التي تشدد على النحافة.
3. الأعراض
تنقسم الأعراض إلى جسدية وسلوكية/عاطفية:
أ. الأعراض الجسدية (نتيجة سوء التغذية):
1- فقدان الوزن الشديد أو عدم زيادة الوزن أثناء النمو.
2-التعب والإرهاق والضعف العام.
3- بطء معدل ضربات القلب وانخفاض ضغط الدم.
4-انقطاع الحيض (الدورة الشهرية) لدى الإناث.
5- الشعور بالبرد بشكل دائم.
6- نمو زغب (شعر ناعم وخفيف) على الجسم كآلية تدفئة.
7- الإمساك وجفاف الجلد وهشاشة الأظافر وتساقط الشعر.
ب. الأعراض السلوكية والعاطفية:
1- التقييد الغذائي الصارم: اتباع حميات قاسية، وحساب دقيق للسعرات الحرارية، ورفض تناول أطعمة معينة (خاصة الغنية بالدهون أو الكربوهيدرات).
2-القياس والوزن المتكرر: الانشغال المفرط بالوزن والمظهر، وقياس الجسم عدة مرات في اليوم.
3- ممارسة الرياضة المفرطة: بشكل قهري ومبالغ فيه، حتى في حالة المرض أو التعب.
4-السلوكيات التطهيرية (لدى البعض): مثل التقيؤ المتعمد أو سوء استخدام الملينات أو مدرات البول.
5- إنكار الجوع: الكذب واختلاق الأعذار لتجنب تناول الطعام مع الآخرين.
6- الانعزال الاجتماعي: والتهرب من المناسبات التي تركز على الطعام.
7- التقلبات المزاجية: الاكتئاب، القلق، التهيج، أو الانسحاب العاطفي.
4. العلاج
العلاج فعال ويتطلب عادة فريقاً متعدد التخصصات (طبيب، اختصاصي تغذية، معالج نفسي).
أ. الرعاية الطبية وإعادة التأهيل التغذوي:
1- استعادة الوزن: الهدف الأول هو استعادة وزن صحي وآمن، وتطبيع أنماط الأكل.
2- المراقبة الطبية: معالجة أي مضاعفات جسدية خطيرة (مثل مشاكل القلب أو اختلال توازن الكهارل) قد تتطلب الدخول إلى المستشفى.
ب. العلاج النفسي (هو العنصر الأساسي):
1- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتغيير الأفكار والسلوكيات غير الصحية المتعلقة بالطعام، الوزن، وصورة الجسم.
2- العلاج الأسري (FBT): وهو الخيار الأول للمراهقين، حيث يركز على تمكين الأسرة لمساعدة المصاب على استعادة وزنه وتطبيع سلوكياته الغذائية.
* العلاج الجماعي والفردي: لتعلم مهارات التكيف، وحل المشكلات، وبناء تقدير الذات.
ج. الأدوية:
–مضادات الاكتئاب: قد تستخدم لعلاج الاضطرابات النفسية المشتركة مثل الاكتئاب والقلق، ولكن فعاليتها في علاج أعراض القهم العصبي الأساسية (الوزن والتقييد) محدودة.
5. كيفية الوقاية منه
تعتمد الوقاية على تعزيز الصحة النفسية والجسدية والحد من عوامل الخطر.
أ- تعزيز صورة الجسم الإيجابية: التركيز على تقدير الجسم لقدراته وصحته بدلاً من شكله ومظهره.
ب- التوعية الإعلامية: تعليم الأفراد كيفية تحليل الرسائل الإعلامية التي تروج للنحافة المفرطة كنموذج مثالي غير واقعي.
ج- البيئة العائلية الصحية: تشجيع الأكل العائلي بانتظام، والابتعاد عن انتقاد الوزن أو السلوكيات الغذائية، والتركيز على الصحة والتغذية المتوازنة.
د- بناء الثقة بالنفس: دعم الأطفال والمراهقين لتقدير ذواتهم بناءً على إنجازاتهم وسماتهم الداخلية بدلاً من مظهرهم الخارجي.
ه- التدخل المبكر: طلب المساعدة المتخصصة فور ملاحظة أي علامات مبكرة لاضطرابات الأكل أو القلق المفرط بشأن الوزن.
ز- إدارة الإجهاد والتوتر: تعليم مهارات التكيف الصحية للتعامل مع الضغوط النفسية بدلاً من اللجوء إلى تقييد الطعام.
إن القهم العصبي ليس مجرد قصة عن الطعام أو الجوع؛ بل هو نداء صامت للسيطرة والقبول في عالم يبدو خارجاً عن السيطرة. التحدي الأكبر يكمن في إدراك خطورة هذا المرض، خاصة وأن المصابين به غالباً ما ينكرون حالتهم. لذلك، يجب علينا جميعاً كأفراد وأسر ومجتمعات أن نتحمل مسؤولية خلق بيئة داعمة تقدر الصحة والقبول الذاتي، بدلاً من الترويج لنموذج جسدي واحد غير واقعي. لا يمكن مواجهة هذا المرض بالعزلة أو الوصم، بل بالعلاج المتخصص الشامل، سواء النفسي أو التغذوي أو الطبي. إن التشخيص والتدخل المبكرين هما مفتاح الأمل في استعادة حياة صحية وطبيعية، وتحرير العقل والجسد من قيود هذا الهاجس المدمر.
