بقلم د.نادي شلقامي
يُعد الحب من أقدم وأعمق المشاعر الإنسانية التي سعت الحضارات على مر العصور إلى تقديسها والاحتفاء بها، وإنشاء طقوس خاصة للتعبير عنها. هذا التقرير ينطلق في رحلة تاريخية مُعمقة، مُتتبعاً تطور مفهوم الحب ومظاهر الاحتفال به، بدءاً من الحضارة المصرية القديمة (الفراعنة) التي رفعت العاطفة إلى مرتبة القداسة والخلود، مروراً بالجذور الوثنية والدينية التي أدت إلى نشأة عيد الحب (الفالنتين دي) في روما القديمة، وصولاً إلى العصر الحديث حيث تحول هذا اليوم إلى ظاهرة عالمية ذات أبعاد رومانسية واقتصادية. يهدف هذا البحث إلى إبراز التباين والتشابه بين الأساليب التي اعتمدتها هذه الحضارات في تكريم أسمى صور التواصل البشري.
عيد الحب “الفلانتين داي” .. رحلة الحب من زمن الفراعنة إلى العصر الحديث..
أولاً: جذور الحب في مصر القديمة (الفراعنة)
تُظهر الدلائل الأثرية أن الحب والمشاعر الدافئة كانت جزءًا أساسيًا من الحضارة المصرية القديمة، مما يجعل مصر واحدة من أوائل الحضارات التي احتفت بالحب.
— تجسيد المشاعر الإنسانية: جسّد المصري القديم الحب والعشق في الأدب والنصوص والتماثيل، ولم يقتصر على العلاقة بين الذكر والأنثى فحسب، بل شمل الحب الإلهي والأسري.
— أدب الحب والعشق: حفظت البرديات الفرعونية مثل “بردية شستر بيتي الأولى” و”بردية هاريس 500″ مجموعة من أغاني الغزل والعشق التي تعبر عن مشاعر قوية بين المحب والمحبوبة، مستخدمة رموزًا من الطبيعة مثل زهرة اللوتس التي كانت رمزًا للحب وتجدد الحياة.
— قصص الحب الملكية:
أ- إيزيس وأوزوريس: وهي قصة الحب الأسطورية التي تُعد رمزًا للوفاء والتضحية، حيث جمعت إيزيس أشلاء زوجها أوزوريس وذرفت عليه الدموع التي قيل إنها كونت نهر النيل.
ب- رمسيس الثاني ونفرتاري: تُعد من أعظم قصص الحب الملكية. أمر رمسيس الثاني ببناء معبد أبو سمبل الصغير لزوجته الحبيبة نفرتاري، ونقش على واجهته عبارة: “أمر جلالة الملك رمسيس الثاني بإقامة هذا المعبد من حجر جميل جيد لزوجته نفرتاري التي تشرق الشمس من أجلها”.
— رموز الاحتفال:
أ-زهرة اللوتس: كانت تُقدم للزوجات كرمز للمحبة وتجديد الحياة.
ب- رمز القلب والقصبة الهوائية: استخدمه المصري القديم كرمز لعبارة “عيد سعيد” في إشارة إلى الحب.
ج- الأعياد القديمة: أشار بعض الأثريين إلى وجود احتفالات تشبه عيد الحب مثل “عيد اللقاء الجميل” الذي كان يجمع بين الإله حورس والإلهة حتحور.
ثانياً: عيد الحب العالمي (الفلانتين داي) – 14 فبراير
يعود هذا الاحتفال إلى جذور غربية في القرن الثالث الميلادي.
— قصة القديس فالنتين: تعود القصة الأكثر شهرة إلى القديس فالنتين الذي كان كاهنًا في روما.
— قرار الإمبراطور: أصدر الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني قرارًا يمنع زواج الجنود، معتقدًا أن الزواج يصرفهم عن الحرب والقتال.
— زواج سري وتضحية: تحدى القديس فالنتين هذا القرار، وكان يزوج العشاق سرًا في الكنيسة.
— الإعدام والتخليد: تم القبض عليه وإعدامه في 14 فبراير عام 269 (أو سنوات قريبة من هذا التاريخ).
— تبني الاحتفال: خُصص هذا اليوم تخليدًا لذكراه واحتفالاً بالحب، وأصبح تقليدًا عالميًا ينتشر في نهاية القرن الثامن عشر وما بعده.
ثالثاً: خصوصية الفلانتين المصري (عيد الحب المصري) – 4 نوفمبر
يتميز المصريون باحتفالهم المزدوج بالحب، حيث يحتفلون بالعيد العالمي، ويخصصون له يومًا آخر بطابع محلي خالص.
— موعد الاحتفال: يحل في 4 نوفمبر من كل عام.
— مؤسس الفكرة: بدأ هذا التقليد بجهود الكاتب الصحفي مصطفى أمين عام 1974.
— القصة الملهمة: أثناء وجوده في أحد أحياء القاهرة القديمة، شاهد مصطفى أمين جنازة لا يسير فيها سوى ثلاثة أفراد فقط.
— الدافع الإنساني: تعجب أمين من غياب الحضور، وفهم أن السبب هو أن هذا الرجل لم يكن “يحب أحدًا، ولا أحد يحبه”، فقرر أن يخصص يومًا لنشر المحبة الإنسانية وليس فقط العاطفية بين العشاق.
— مفهوم الحب الواسع: يتميز عيد الحب المصري بأن هدفه أوسع وأشمل، فهو يدعو للاحتفاء بـ:
1-حب الله والوطن.
2- حب الأسرة والأهل.
3- حب الأصدقاء والجيران والناس جميعًا.
— الهدف الاجتماعي: كان الهدف الأساسي هو إحياء القيم الإنسانية الأصيلة، مثل المودة، والرحمة، والنخوة، والمروءة، وتحويل الحب إلى فعل يومي ينبض في المجتمع.
رابعاً: مظاهر الاحتفال المشتركة (العالمي والمصري)
لا تختلف مظاهر الاحتفال بين العيدين كثيرًا في العصر الحديث، حيث أصبحت جزءًا من الثقافة العامة.
— تبادل الهدايا: يحرص المحتفلون على شراء الهدايا التذكارية، أبرزها الزهور والورود الحمراء، والدببة الحمراء، والحلوى.
— اللون الأحمر: يسيطر اللون الأحمر على المتاجر والشوارع والمحلات كرمز للحب والعاطفة.
— وسائل التعبير: يتبادل الأحبة الرسائل والكلمات والعبارات الرومانسية للتعبير عن مشاعرهم، سواء بشكل تقليدي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
— المناسبات الاجتماعية: يخرج العشاق والأصدقاء والعائلات لتناول العشاء أو قضاء نزهات مشتركة في جو من الود.
خامساً: الفلانتين في العصر الحديث (الجدل والتأثير)
— العولمة وتأثيرها: ساهمت العولمة ووسائل الإعلام في ترسيخ الاحتفال العالمي (14 فبراير) في مصر وباقي الدول العربية.
— الجدل الديني والاجتماعي: يثير الاحتفال بعيد الحب جدلاً بين مؤيد ومعارض، حيث يرى البعض أنه دخيل على الثقافة، بينما يراه آخرون مناسبة للتعبير عن المشاعر الإيجابية.
1- الرأي المؤيد: يعتبره فرصة للتعبير عن الحب والمودة التي هي أساس العلاقات الإنسانية.
2- الرأي المعارض: يراه تقليدًا غربيًا يجب الابتعاد عنه، أو يقصره على شكل معين من العلاقات.
— التأثير الاقتصادي: يشهد سوق الهدايا والزهور والحلوى انتعاشًا كبيرًا في كلا اليومين، خاصة في 14 فبراير، مما يمثل حدثًا اقتصاديًا هامًا للتجار.
أتمنى أن يكون هذا التقرير الطويل والمفصل قد نال إعجابك وأجاب عن كل استفساراتك حول الفلانتين المصري والعالمي من أيام الفراعنة وحتى الآن.
“في الختام، يتضح أن مفهوم الحب، وإن تباينت طرائق الاحتفال به عبر القرون، يظل قيمة إنسانية ثابتة وعابرة للثقافات. فمن نقوش معابد الفراعنة التي وثقت قصص العشق الأبدي والولاء الزوجي، إلى رسائل القديس فالنتين السرية في روما، وصولاً إلى تبادل الورود والهدايا في 14 فبراير الحديث، تشترك كل هذه المراحل في شيء واحد: الحاجة الإنسانية للتعبير عن المودة والارتباط. إن عيد الفالنتين دي، بجذوره المعقدة وتطوره التجاري، هو في جوهره استمرارية لذلك التقديس الذي بدأه أسلافنا القدامى. يبقى الهدف الأسمى هو الاحتفاء بالروابط التي تُثري حياتنا وتُضفي عليها المعنى، سواء كان ذلك بـ ‘زهرة لوتس’ فرعونية أو بـ ‘وردة حمراء’ معاصرة.
