كتبت: سالي جابر – أخصائية نفسية
الألم تجربة إنسانية لا يمكن تجنّبها، فهو جزء من دورة الحياة، كالفقد والفشل والخذلان والمرض. غير أن اختلاف الناس لا يكمن في ما يتعرّضون له من أوجاع، بل في الطريقة التي يتعاملون بها مع الألم. فبين من ينهار أمامه ومن يحوله إلى طاقة نمو، يتجلى جوهر القوة النفسية.
في علم النفس الحديث، لا يُنظر إلى الألم بوصفه عائقًا فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة البناء الداخلي فيما يُعرف بمفهوم النمو بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth).
مفهوم النمو بعد الصدمة:
النمو بعد الصدمة مصطلح صاغه العالمان تيديشاي وكالهون (Tedeschi & Calhoun) في تسعينيات القرن الماضي، ويشير إلى قدرة الإنسان على تحقيق تطور نفسي إيجابي بعد المرور بأحداث صادمة أو مؤلمة.
يتجلّى هذا النمو في خمسة مجالات أساسية:
1- تقدير أعمق للحياة.
2- تحسّن في العلاقات الإنسانية.
3- إدراك لقوة الشخصية الداخلية.
4- تغيير في الأولويات والقيم.
5- نمو روحي ومعنوي.
هذا يعني أن الألم، رغم قسوته، يمكن أن يكون محفزًا لتغيير جذري في نظرتنا للحياة ولنفسنا.
كيف يتحول الألم إلى مكسب؟
تفسير هذا التحول يعتمد على تفاعل النفس البشرية مع الصدمة عبر مراحل متعددة، منها:
1-الصدمة والإنكار:
في البداية، يميل الإنسان إلى إنكار ما حدث، كآلية دفاعية تمنحه وقتًا لاستيعاب الألم.
2- الغضب والحزن:
تتفجر المشاعر المكبوتة، وقد يشعر الفرد بالظلم أو العجز، وهي مرحلة طبيعية في عملية التعافي النفسي.
3- التقبّل وإعادة المعنى:
هنا يبدأ الشخص في إعادة تفسير التجربة بدلًا من مقاومتها. يسأل نفسه: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه المعاناة؟
هذا التحول في التفكير يُعدّ نقطة الانطلاق نحو المكسب النفسي.
4-النمو وإعادة البناء:
يبدأ الفرد في بناء حياة جديدة أكثر وعيًا واتزانًا، مستفيدًا مما علّمه الألم عن نفسه والآخرين.
العوامل التي تساعد على تحويل الألم إلى نمو:
يُظهر علم النفس الإيجابي أن بعض السمات والظروف النفسية تساعد على هذا التحول، مثل:
– الدعم الاجتماعي: وجود شخص يستمع ويفهم دون حكم.
– التفكير التأملي: القدرة على مراجعة الذات وتحليل التجارب بعمق.
– الإيمان أو المعنى الوجودي: الإحساس بأن للحياة هدفًا أكبر من الألم ذاته.
– المرونة النفسية: وهي القدرة على التكيف مع التغيرات والمواقف الصعبة دون فقدان التوازن الداخلي.
الجانب العصبي والنفسي:
تشير الدراسات العصبية إلى أن الدماغ يعيد تشكيل نفسه بعد الصدمات من خلال ما يُعرف بـ”اللدونة العصبية (Neuroplasticity)”، مما يعني أن التجارب المؤلمة يمكن أن تخلق مسارات جديدة للتفكير والتأقلم.
هذه العملية، حين تُدعم بالعلاج النفسي أو التأمل أو الدعم الاجتماعي، تساعد الفرد على تحويل الألم إلى محفّز للنمو بدلًا من أن يظل مصدرًا للمعاناة.
إن تحويل الألم إلى مكسب ليس إنكارًا للوجع، بل فهمٌ عميق لمعناه. فالألم لا يزول دائمًا، لكنه يمكن أن يصبح وقودًا للنضج النفسي والاتزان العاطفي.
ومتى تعلم الإنسان أن ينظر إلى معاناته بعين الباحث عن الدرس لا بعين الضحية، تحوّل الألم إلى طريق نحو ذاته الحقيقية.
