كتبه د. ابراهيم عوض
لقد سمى الله تعالى القرآن مبارك.﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ سورة ص: ٢٩]
القرآن مبارك على قارئه وسامعه ومتدبره؛ فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله تعالى، فيتلو سورة قصيرة ويحصد أجورا عظيمة.
القرآن بركة على متدبره بما يحصل لقلبه من انتفاع بالقرآن، واتعاظ به، واستقامة على أمر الله تعالى، مع ما يؤتى من البصيرة في دينه ودنياه، وحجة ذلك قول الله تعالى ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: ٩]. فمتدبره سيهدى لأقوم الأمور وأحسنها في أفكاره وآرائه وجميع أموره الدينية والدنيوية.
والقرآن بركة على عقل حافظه؛ لأن مجرد حفظ مفردات أي لغة كانت يوسع الذاكرة، ويقوي الاستحضار، فكيف باللغة العربية وهي أشرف اللغات وأعلاها؟ ثم كيف بحافظ لبها وهو القرآن الكريم؟ وقد جاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ” رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وأهل القرآن يمتعون بعقولهم ولو طالت أعمارهم، وكثير من أئمة القراءات جاوزوا التسعين وعقولهم معهم، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَبْقَى النَّاسِ عُقُولًا قُرَّاءُ الْقُرْآنِ” وقال بعض السلف: من حفظَ القرآن متِّعَ بعقلِهِ.
القرآن بركة على بيت الرجل وأهله؛ لأن الشياطين تفر من البيوت التي يسمع فيها القرآن؛ كما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. رواه مسلم.
وكثير من الناس في هذا الزمن يشكون الهموم والغموم، ويعانون من ضيق الصدور والدور، ومن المشاكل الأسرية، ومن أمراض المس والسحر والعين، ومن تسلط شياطين الجن والإنس عليهم، فمن بركة القرآن أنه وقاية للبيوت التي يقرأ فيها من تسلطهم، وكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: الْبَيْتُ إِذَا تُلِيَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ اتَّسَعَ بِأَهْلِهِ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْبَيْتُ الَّذِي لَمْ يُتْلَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ، ضَاقَ بِأَهْلِهِ، وَقَلَّ خَيْرُهُ، وَتَنَكَّبَتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَحَضَرَهُ الشَّيَاطِينُ” رواه ابن أبي شيبة.
وهو كذلك شفاء لمن أصيبوا بشر الشياطين ومسهم وضرهم؛ لأن القرآن كما أنه وقاء فهو شفاء ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: ٨٢] وشفاؤه عام لأمراض القلوب والأبدان، ولجميع الأسقام والأدواء. ولذا كان من هجر القرآن هجر الاستشفاء به.
وكم من شبهة عملت في قلب صاحبها عملها فوجد في القرآن ما يزيلها، وكم من خطرات ووساوس وشكوك اعترت قلوب أصحابها، فوجدوا في القرآن ما يدحضها ويبعدها، ويثبت إيمانهم ويقينهم ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل: ١٠٢].
والقرآن بركة على المجالس التي يتلى فيها، فيستجلب لأصحابها كل خير، قَالَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ” رواه مسلم.
ومن عجائب بركة القرآن أنه مبارك على الصحف التي يكتب فيها، فتنقلب بآيات القرآن من صحف لا يؤبه بها ولا تحترم إلى صحف يجب صيانتها ورفعها وتوقيرها؛ لما حوته من كلام الله تعالى.
فإذا كانت هذه مكانة الورق الذي حواه فما مكانة الصدر الذي حفظه ووعاه، وسلك طريقه وانتفع بهداه؟
ومن بركة القرآن أن علومه ومعارفه لا تنضب، ولا تتوقف فرائده وفوائده، ولا زال العلماء منذ تنزله إلى اليوم وخلال أربعة عشر قرنا ينهلون منه، ويغترفون من بحر فوائده، فما أسن ولا سكن، بل تزداد فوائده ومعارفه مع الازدياد في تدبره وتعلمه.
ومن بركة القرآن أن وظيفة معلمه ومحفظه أشرف الوظائف وأعلاها؛ لأنها اشتغال بكلام الله تعالى عن كلام الخلق، ففي حديث عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ” رواه البخاري.
ومن بركة القرآن تيسير العسير به، وحصول المطلوب، والوصول إلى المرغوب، ودفع المكروه؛ لأن من كان كلام الله تعالى همّه، كفاه الله تعالى ما أهمَّه، قال عباس الكناني عن شيخه أبي إسحاق بن عبد الواحد المقدسي: أوصاني وقت سفري، فَقَالَ: أَكْثَر من قراءة الْقُرْآن، ولا تتركه؛ فَإِنَّهُ يتيسر لَك الَّذِي تطلبه عَلَى قدر مَا تقرأ.قَالَ: فرأيت ذَلِكَ وجربته كثيرا، فكنت إِذَا قرأت كثيرا تيسر لي من سماع الْحَدِيث وكتابته الكثير، وإذا لَمْ أقرأ لَمْ يتيسر لي.
ومن بركة القرآن أنه يحاج عن حامله وقارئه يوم القيامة، ويكون شفيعا له وهو أحوج ما يكون إلى شفاعته؛ كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ…” رواه مسلم.
ومن بركة القرآن أنه يرقى بصاحبه في الدرجات العلا من الجنة؛ كما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا” رواه أبو داود والترمذي .
