بقلم السيد عيد
ذات مساء غريب المساء الوحيد الذي شعرتُ فيه أن الزمن يشرب شاي بالنعناع قابلتُ عجوزًا غريب .
كان يقف بثبات رجل يعرف المستقبل… أو لا يعرف شيئًا على الإطلاق، لكنه بارع في التظاهر. قال لي بصوت لا أعرف هل خرج من فمه أم من رأسي: “اجلس… لديّ وصايا لك. خذ ما يعجبك، واترك ما لا تفهمه، وغالبًا… لن تفهم.” جلست. لا احترامًا له… بل احترامًا للفضول الذي سحبني من ياقة قميصي. قال: الوصية الأولى: “إيّاك أن تصدّق مشاعرك في الصباح… المشاعر قبل الفطار كائنات غير مسئولة.”
الوصية الثانية: “لا تبحث عن الحقيقة… الحقيقة غالبًا تسكن في شقة مفروشة وتغيّر عنوانها كل أسبوعين.”
الوصية الثالثة: “إذا قابلت شخصًا يفهمك من أول جملة… اهرب. هذا يعرف عنك أكثر مما يجب.”
الوصية الرابعة: “إياك والنظر طويلاً في المرآة… ليست كل الوجوه التي تراها لك، بعضها يعود لأيام لم تعشها بعد.” بدأت أشعر بالارتباك. هل أتلقى حكمة؟ أم هل هذا الرجل يلقي بي في بئر الحيرة عن قصد؟ لكن العجوز ابتسم كأنه يرى علامات الغباء تتفتح على وجهي مثل أزهار موسمية.
ثم قال: الوصية الخامسة: “لا تخف من المستقبل… هو خائف منك أكثر. أنت متقلب وهو ثابت، وهذه مشكلة بالنسبة له.” ثم نهض أو ربما لم ينهض، ربما أنا الذي وقع وقال آخر وصية: “إذا شعرت يومًا أنك تائه… فهذه علامة جيدة. الضياع يعني أنك على الطريق الصحيح… لأن الطرق الواضحة مزدحمة، والأماكن المهمة تُكتشف صدفة.” وبعدها… اختفى. اختفى من غير ما يترك أثر، كأنه كان إشعارًا ظهر على شاشة حياتي ثم أغلقتُه بالخطأ. وبقيت وحدي. أحاول فهم الوصايا… لا لكي أطبقها، بل لمعرفة: هل العجوز كان حكيمًا؟ أم مجرد رجل بلا ميلاد… لكن عنده وقت فراغ كبير؟
