الكاتب/ يونس عبد الحفيظ
لم يعد انهيار منظومة العدالة الدولية مجرّد توصيفٍ بلاغي، بل حقيقة تفرض نفسها مع كل أزمة كبرى يشهدها العالم. فالأمم المتحدة، ومعها سائر الهيئات والمنظمات الدولية، تعيش منذ سنوات حالة موتٍ سريري، تُدار فيها الأزمات بالبيانات، وتُدفن فيها القيم تحت ركام المصالح. وجاءت الأحداث الأخيرة لتعلن رسميًا انهيار هذه المنظومة سياسيًا وأخلاقيًا، وعجزها التام عن أداء دورها المفترض في حماية السِّلم والعدالة الدوليين.
لقد تحوّلت الشرعية الدولية من إطارٍ ناظم للعلاقات بين الدول إلى غطاءٍ هشّ تُمرَّر تحته سياسات القوة والانتقائية. تُدان الجرائم حين يكون الجاني ضعيفًا، ويُعاد تعريفها أو تبريرها حين يكون مرتكبها قويًا. وهكذا لم تعد العدالة معيارًا، بل أداة تُستعمل وفق موازين النفوذ، ما أفقد القانون الدولي هيبته، وجرّد المؤسسات الأممية من معناها.
في هذا السياق، يجد العالم نفسه أمام منعطف خطير: إمّا استعادة روح القانون بوصفه تعبيرًا عن الإرادة الجماعية للشعوب، أو الانزلاق الكامل نحو منطق البقاء للأقوى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، ولا مكان لقيم حقوق الإنسان إلا في الخطابات الموسمية. إن استمرار هذا المسار لا يهدد دولًا بعينها، بل ينسف فكرة النظام الدولي برمّتها.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل على شعوب العالم وقواها الحيّة. فالصمت، في لحظة كهذه، ليس حيادًا بل تواطؤ غير مباشر مع منطق الهيمنة. والتاريخ علّمنا أن العدالة لا تُمنَح، بل تُنتَزع حين تتوافر الإرادة والوعي والضغط الشعبي العابر للحدود.
إن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين تعدول، بل اختبارًا أخلاقيًا للبشرية جمعاء: هل تقبل العيش في عالم تحكمه القوّة وحدها، أم تُصرّ على إعادة الاعتبار لقيم العدالة والمساءلة؟
في هذا الامتحان، لم يعد الصمت خيارًا.
