بقلم: نهاد عادل
منذ قديم الأزل حظيت المرأة المصرية بمكانة خاصة في المجتمع، ليس فقط لدورها كأم ومربية، بل لأنها كانت دائمًا عماد الأسرة وركيزة المجتمع. فهي التي تتحمل المسؤوليات، وتواجه الصعوبات، وتبدع في تحويل أبسط الإمكانيات إلى إنجازات عظيمة.
ومن بين الأمثال الشعبية التي تجسد تلك الصورة المشرقة للمرأة المصرية، يبرز المثل الشهير “الشاطرة تغزل برجل حمار”، وهو تعبير شعبي عميق المعنى يُستخدم لمدح المرأة الماهرة والذكية التي تستطيع الابتكار والتدبير في أصعب الظروف.
و يرجع أصل هذا المثل إلى قدرة المرأة الحاذقة على استغلال ما يتوافر لديها، حتى وإن كانت أدواتها غير مناسبة أو محدودة. فـ”رجل الحمار” في الأصل رمز لشيء غير صالح للاستخدام أو بعيد عن الغرض المطلوب، لكن المرأة “الشاطرة” بذكائها وحنكتها يمكنها أن تحول هذا الشيء غير المفيد إلى وسيلة لإنجاز عملٍ مفيد مثل الغزل أو النسيج.
وهنا تكمن العبقرية الشعبية المصرية التي تعرف كيف تُقدّر الكفاءة والإبداع وتمنح التقدير لمن “يصنع المستحيل بالإمكانات المحدودة”.
لم يكن هذا المثل الوحيد الذي يُكرم المرأة في التراث الشعبي المصري فالأمثال تزخر بصورٍ تؤكد على ذكاء المرأة ودهائها وحكمتها. لكن ما يميز هذا المثل تحديدًا هو أنه يسلط الضوء على روح الابتكار والإرادة التي تدفع الإنسان والمرأة خصوصًا إلى العمل رغم قلة الموارد.
في المقابل يذم المثل المرأة “الخرقاء” التي لا تجيد عملاً حتى لو توفرت لها جميع الإمكانيات، في مقارنة واضحة بين الاجتهاد والاتكالية، وبين الذكاء العملي والعجز عن التصرف.
دلالة المثل في عصرنا الحديث
ورغم أن المثل وُلد في بيئة ريفية بسيطة، فإن معناه لا يزال ينطبق على واقعنا المعاصر. ففي زمن التكنولوجيا والتحديات الاقتصادية، يظل النجاح حليف من يعرف كيف يوظف ما لديه بأفضل شكل ممكن.
فالمرأة الشاطرة اليوم ليست فقط من “تغزل برجل حمار” بل من تدير بيتها بذكاء، وتوازن بين عملها وأسرتها، وتحقق ذاتها بإصرار رغم العقبات.
فالمثل الشعبي “الشاطرة تغزل برجل حمار” ليس مجرد عبارة تقال للتندر أو الإعجاب، بل هو تحية تقدير للمرأة المصرية التي لم تعرف المستحيل والتي أثبتت عبر العصور أن الذكاء والإرادة هما سر النجاح الحقيقي مهما كانت الإمكانيات
محدودة.
