الأديب محمد عبد ربه طه
مُدُنٌ مِنْ ضَوْءٍ
فِي هٰذَا الْفَضَاءِ الَّذِي لَا يَنْتَهِي،
تُولَدُ الْوُجُوهُ مِنَ الْوَهَجِ،
وَتَتَبَادَلُ الْقُلُوبُ الْهَمْسَ عَبْرَ أَسْلَاكٍ مِنْ صَمْتٍ،
كُلُّ كَلِمَةٍ نَجْمَةٌ،
وَكُلُّ نَظْرَةٍ وَمْضَةُ بَرْقٍ تَمْضِي وَلَا تَعُودْ.
نُلَوِّحُ بِأَصَابِعِنَا لِلْفَرَاغِ،
فَتَأْتِينَا الرُّدُودُ كَأَصْدَاءٍ بَعِيدَةٍ،
نَضْحَكُ بِرُمُوزٍ صَغِيرَةٍ لَا تَعْرِفُ الدِّفْءَ،
وَنَبْكِي فِي غُرَفٍ مُضَاءَةٍ بِوَهْمٍ أَزْرَقَ.
كَمْ مِنْ عِنَاقٍ عَالِقٍ فِي الخَيالْ،
كَمْ مِنْ حُبٍّ طَافَ بَيْنَ الرَّسَائِلِ ثُمَّ تَاهَ،
كَمْ مِنْ وَجْهٍ أَحْبَبْنَاهُ مِنْ ضَوْءٍ لَا جَسَدَ لَهُ،
وَمِنِ اسْمٍ لَا رَائِحَةَ لِنَبْضِهِ.
يَا لِهٰذَا الْعَالَمِ الْمُعَلَّقِ بَيْنَ اللَّاشَيْءِ،
تَتَقَاطَعُ الْأَرْوَاحُ فِيهِ كَشَرَارَاتٍ مِنْ بَرْقٍ،
ثُمَّ تَنْطَفِئُ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ أَنَّهَا لَمَسَتْ إِنْسَانًا.
نَكْتُبُ حُضُورَنَا فِي فَرَاغٍ سَاطِعٍ،
نَصِفُ أَنْفُسَنَا بِحُرُوفٍ مُصْقُولَةٍ كَالْمِرْآةِ،
وَنَخْشَى أَنْ نَرَى خَلْفَهَا وُجُوهَنَا الْحَقِيقِيَّةَ،
بَاهِتَةً، مُتْعَبَةً، تَبْحَثُ عَنْ لَمْسَةِ حَيَاةٍ خَارِجَ الشَّاشَةِ.
وَرَغْمَ كُلِّ هٰذَا الضَّوْءِ،
يَبْقَى فِي الْقَلْبِ ظِلٌّ صَغِيرٌ،
يُرِيدُ يَدًا لَا تُرْسَلُ، بَلْ تُـمْسِكُ،
وَعَيْنًا لَا تَبْتَسِمُ كَرَمْزٍ، بَلْ كَنَبْضٍ.
فَلْنُطْفِئْ قَلِيلًا هٰذَا الضَّوْءَ الْبَارِدَ،
وَلْنُصْغِ إِلَى أَنْفَاسِنَا تَتَذَكَّرُ الطَّرِيقَ إِلَى الْآخَرِ،
فَرُبَّ هَمْسَةٍ تُقَالُ وَجْهًا لِوَجْهٍ
تُعِيدُ لِلْعَالَمِ صَوْتَهُ،
وَلِلرُّوحِ مَعْنَاهَا.
حِينَئِذٍ…
سَنَفْهَمُ أَنَّ التَّوَاصُلَ لَيْسَ شَاشَةً،
بَلْ عُبُورُ قَلْبٍ نَحْوَ قَلْبٍ،
فِي صَمْتٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَكَلَّمُ.
وَفِي آخِرِ الْحُرُوفِ،
حِينَ يَهْدَأُ الضَّوْءُ،
وَتَنْطَفِئُ الشَّاشَاتُ كَنُجُومٍ أَنْهَكَهَا الْبَرِيقُ،
تَنْهَضُ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ وَمْضَةُ صِدْقٍ،
كَرُوحٍ تَذَكَّرَتْ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْآخَرِ
يَمُرُّ عَبْرَ الْقَلْبِ، لَا عَبْرَ الوَهَج.
هُنَاكَ،
فِي سُكُونِ مَا بَعْدَ الضَّجِيجِ،
تَلْتَقِي الْأَرْوَاحُ بِلَا كَلِمَاتٍ،
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ بَعْضَهَا مُنْذُ خُلِقَ الضَّوْءُ،
تَتَبَادَلُ اللَّمْسَ بِنَبْضٍ خَفِيٍّ،
وَتَهْمِسُ:
“أَنَا لَسْتُ رِسَالَةً، أَنَا حُضُورٌ.”
فَيَا أَيُّهَا الْمُعَلَّقُونَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالنُّورِ،
ابْحَثُوا عَنْ وُجُوهِكُمْ فِي الصَّمْتِ،
عَنْ أَصْوَاتِكُمْ فِي الْحَنِينِ،
عَنْ اللَّهْفَةِ الَّتِي لَا تُتَرْجَمُ إِلَى رُمُوزٍ.
لَعَلَّ فِي الْعُزْلَةِ لِقَاءً،
فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ… عَرَفَ الْآخَرَ،
وَمَنْ رَأَى النُّورَ فِي قَلْبِهِ،
أَضَاءَ لِلْعَالَمِ طَرِيقَ اللِّقَاءِ.
#نوفلمبر
#نوفلمبر_2025
#novelmber_2025
#اكتب_في_نوفمبر
#احك_في_نوفمبر
#وصيفة_الرضوان
