كتبت: سالي جابر – أخصائية نفسية
كنا نعاني دون أن ندرك سببًا واضحًا.
يسرق النوم من عيوننا، ونهيم في دوائر مغلقة من القلق، ونبحث عن شيء مفقود لا نعرف اسمه. نمضي في طرق لم نخترها، ونحمل في صدورنا ألمًا غامضًا لا نعرف موضعه ولا نملك دواءً له. ومع ذلك، كنا نعيش نوعًا خفيفًا من الراحة… راحة الجهل.
ذلك الستر الخفيف الذي يُبقي الأسئلة بعيدة، ويجعل العالم أقل قسوة، والنفس أقل محاسبة.
لكن كل شيء يتغير عندما يطلّ الوعي، حين نرى الحقيقة لأول مرة، نعرف المشكلة، ونعرف العلاج، ونكتشف أننا عاجزون عن تطبيقه. هنا يتحوّل الوعي إلى ثِقل، ويتحوّل الإدراك إلى امتحان جديد، ويزداد الألم وضوحًا وحدّة.
قال سقراط: «الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تُعاش»، لكن الحقيقة الأخرى التي لا تُقال كثيرًا هي أن الحياة المُختبرة موجعة أيضًا. لأن المعرفة تضع الإنسان أمام مرآته، وتجبره على مواجهة ما كان يخشاه.
أما تولستوي فيقول: «الإنسان يعرف كل شيء عن العالم، لكنه لا يعرف نفسه»، وهذه هي الأزمة النفسية الأكثر شيوعًا اليوم: نرى أخطاءنا، نعرف نقاط ضعفنا، ندرك ما ينبغي تغييره… ومع ذلك نتعثر في أول خطوة.
وهذا ما يسميه علم النفس: ألم الوعي.
فطبقًا لنظرية “التنافر المعرفي” للعالم ليون فستنغر، حين يعرف الإنسان الحقيقة لكنه يعيش عكسها، تتولد بداخله فجوة مؤلمة تسبب التوتر والقلق والإرهاق النفسي.
الجهل يحمي صاحبه من هذا الألم، لكن الحماية مؤقتة، بينما الوعي—إن تم توجيهه—يصنع شفاءً حقيقيًا.
ولهذا، قد يكون الجهل في بعض الأحيان نعمة مؤقتة، لكنه ليس خلاصًا. والوعي ليس عذابًا، لكنه مسؤولية.
بين الاثنين نقف نحن:
نشتاق لطمأنينة الجهل، ونسعى إلى نور الوعي، ونخشى في الوقت نفسه ما يكشفه لنا هذا النور من حقائق عن أنفسنا.
اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، نحن مطالبون بوعي مختلف… وعي لا يكتفي باكتشاف المشكلة، بل يعيد تشكيل أنفسنا كي نقدر على مواجهتها.
فالوعي الحقيقي ليس أن نعرف، بل أن نتغيّر.
كما قال جلال الدين الرومي:
«أمس كنت ذكيًا فأردت أن أغيّر العالم، اليوم أصبحت حكيمًا فغيّرتُ نفسي».
-الوعي والصحة النفسية… علاقة معقدة لكنها ضرورية:
الوعي ليس مجرد بصيرة فكرية، بل عملية نفسية عميقة، فكلما زاد إدراكنا لأنفسنا، زادت حساسيتنا تجاه ما يحدث بداخلنا، وازدادت مسؤوليتنا تجاه تغيير ما يؤلمنا.
وهذا يجعل بعض الناس يحنّون إلى زمن الجهل، حين كانت الحياة أبسط، والقرارات أسهل، والأسئلة أقل.
لكن الحقيقة أن الوعي هو المفتاح الأول للصحة النفسية السليمة.
فالإنسان لا يعالج جرحًا يجهل مكانه، ولا يتجاوز أزمة لا يفهم جذورها.
ولتحويل هذا الوعي من عبء إلى طاقة علاجية، يمكن اتباع خطوات عملية واضحة:
– خطوات نفسية عملية لتحويل الوعي إلى شفاء:
1- تقبّل الذات دون جلد: رؤية الخطأ لا تعني معاقبة النفس.
التقبل هو أول خطوة نحو التحرر من الألم.
2- تقسيم التغيير إلى مهام صغيرة قابلة للتطبيق:
التغيير الشامل مرهق، أما التغيير التدريجي فهو ممكن ويعيد الإحساس بالقوة والسيطرة.
3- كتابة المشاعر والأفكار: تساعد الكتابة على ترتيب الوعي بدلًا من تركه كعاصفة داخلية.
4- ممارسة الاستبصار الذاتي (Mindfulness):
خمس دقائق يوميًا من التنفس الواعي تُخفض القلق وتعيد الاتزان.
5- تعديل البيئة المحيطة: تغيير الروتين، تخفيف الضغوط، أو الابتعاد عن العلاقات المؤذية…
كلها عوامل تساعد على تثبيت الوعي الجديد.
6- طلب الدعم المتخصص عند الحاجة:
العلاج النفسي ليس ضعفًا… بل شجاعة، واعتراف بأن الوعي وحده لا يكفي دون أدوات.
7-الاحتفال بالتقدم البسيط: كل خطوة تعني أن الوعي بدأ يتحول إلى فعل.
في نهاية الأمر، لسنا بحاجة إلى الهروب من الوعي ولا إلى الاحتماء بالجهل.
نحن بحاجة إلى شجاعة تجعلنا نتحمل نور الحقيقة، ونحول الألم الكامن في المعرفة إلى خطوات شفاء.
فالجهل يمنح سلامًا هشًّا، أما الوعي فيمنحنا القدرة على بناء سلامٍ حقيقي بأيدينا.
الوعي ليس عبئًا… بل دعوة لإعادة تشكيل أنفسنا.
ومن يملك الشجاعة ليرى الحقيقة، يملك القدرة—ولو بعد حين—على أن يخلق حياة تستحق أن تُعاش.
