كتبت: سالي جابر- أخصائية نفسية
يبلغ الصراع النفسي أشدّه حين يريد عقلك شيئًا ويرفضه قلبك، أو يتمنى قلبك أمرًا يواجه رفض المجتمع. وهنا يبدأ الشجار بين مكوّنات جهازك النفسي: الهو، الأنا، والأنا الأعلى كما وصفها سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي.
إنه صراع بين رغباتك، وضميرك، وتوقعات الآخرين. تحاول الموازنة، وقد تنجح أحيانًا، لكنك تخفق كثيرًا. فجأة تجد نفسك بين فكيّ الصمت: صمت الكلمات، وصمت الألم. هنا يبدأ العقل اللاواعي في تشغيل آليات الدفاع لحمايتك من الانهيار.
فقد تستقبلين خبرًا كنتِ تتوقعين أن يحطمك، كزواج من أوهمكِ بحبّه، فتجدين نفسك تهنئينه بصدق، وتنامين بهدوء وسلام. ثم تبكين عند الاستيقاظ أو تتجمّد دموعك. في تلك اللحظة يكون جهازك النفسي قد شغّل آلية الارتداد العكسي: أي فعل عكس ما تشعرين به، كوسيلة لحفظ توازنك ومنع انهيارك أو دخولك في هستيريا أو فصام إذا كان لديك استعداد لذلك.
النُّكوص Regression:
هو العودة إلى أنماط سلوكية سابقة.
نراه لدى الطفل الذي يشعر بأن المولود الجديد سحب منه سجادة الحب والاهتمام، فيعود إلى مصّ إصبعه أو التبول اللاإرادي. هذه الأعراض مؤقتة وتزول بزوال أسبابها النفسية.
الإزاحة Displacement :
هي تفريغ الغضب في شخص ضعيف بدلًا من مصدره الأصلي.
مثل موظف أهانه مديره أمام الجميع وهدده بخصم كبير، فلا يستطيع الرد. يعود إلى منزله ليصرخ في زوجته لأتفه الأسباب، فتغضب هي من طفلها، فيركل الطفل قطته… وهكذا تستمر الدائرة.
إنها وسيلة للتخلص من التوتر حين يعجز الشخص عن مواجهة مصدره الحقيقي.
الإسقاط Projection:
وفيه يلقي الإنسان ما بداخله على الآخرين.
كالمرأة التي بلغت الأربعين ولم تتزوج، وتحضر أفراح صديقاتها، فتصف الفستان بالقبيح والعريس بالبدين… أو المرأة التي تنتقد فستان صديقتها لأنه “يجعلها ممتلئة”، بينما سبب النقد الحقيقي هو قلقها الداخلي من صورتها الذاتية.
الإنكار Denial:
هو رفض الاعتراف بواقع مؤلم.
كمن يضع دائمًا طبقًا فارغًا لشخص متوفى، أو امرأة تحتفظ بفستان زفافها رغم وفاة خطيبها وترفض الزواج بغيره.
إنه حيلة نفسية لحمايتنا من مواجهة ما لا نحتمل قبوله.
التبرير Rationalization:
هو إيجاد أعذار منطقية لسلوك غير منطقي.
الطالب الذي يرسب، المرأة التي تُصرّ على الإنجاب رغم خطره على قلبها، أو الفتاة التي تبقى في علاقة مؤذية.
عند سؤالهم ستسمعين قصصًا ومبررات يمكن تحويلها إلى سيناريوهات كاملة.
آليات الدفاع: السلاح الذي ينقذ… وقد يدمّر:
هذه الميكانيزمات هي حيل نفسية لا شعورية نحتمي بها من التوتر والقلق والخوف. لولاها لكان الانهيار النفسي أمرًا سهل الحدوث. فهي تساعدنا على جعل الواقع قابلًا للتحمّل.
لكنها سلاح ذو حدين:
إن زادت، عشنا في خداع ومغالطة للواقع.
وإن قلت، أصابنا الاكتئاب الحاد، وزادت مخاطر الاضطرابات النفسية والجلطات الناتجة عن الضغط الشديد.
ولهذا يمكن أن نُسمّيها بحق: فنّ خداع النفس
فنٌّ يحاول فيه العقل حماية الروح من السقوط.
