بقلم: خديجة ربيع “أسيرة القلم”
هناك ظلم لا يشهده الناس، ولا يُكتب في المحاكم، ولا يرفع فيه أحدٌ شكوى، ظلم يحدث في الداخل، في منطقة لا يراها أحد، تترك في الروح ندوبًا أعمق من كل جراح الدنيا، إنه ظلم الإنسان لنفسه حين يتحول من صاحبٍ لروحه إلى قاتل صامت لها.
لم يخلق الله الإنسان ليحيا مكسورًا، ولا ليغرق في الهلاك ثم يقول:هكذا كُتب عليّ.
الله عدل مطلق، حكمة نافذة، ورحمةٌ تظلّل عباده في كل خطوة؛ لكن كل العجب من إنسان يفتح بنفسه أبواب العتمة، ثم يشتكي وكأن الله ظلمه.
يظلم الإنسان نفسه حين يُعرض عن الحق وهو يراه، وحين يسمع الهدى ولا يتحرك إليه، وحين يعرف أن باب الرحمة مفتوح ثم يصرّ على الوقوف خارجه، يظلم نفسه حين يركض خلف الدنيا، يبيع راحته ويفرط في صلاته، ويهجر قلبه عن ذكر الله، ويزيّن لها الذنب، ويصبغه بالكذب، يتصالح مع خطئه، يشتد ظلمه لنفسه حين يصرّ على السير مع من يسرقون طمأنيته، وتطفيء فيه الإيمان، يظلمها حين يصادق الشيطان كخطوةٍ خطوة، ثم يجد روحه ثقيله، ملامحه باهته، وطمأنيته هاربة؛ ثم يظن أن الحياة خانته، يظلم نفسه ظلمًت لا يُرى بالعين، أيُّ ظلمٍ أعظم من أن يتجاهل القلب الذي يصرخ داخله : عد يا هذا، فإن روحك تختنق، تعرف السم وتشربه، ويبلغ الظلم ذروته حين ييأس من رحمة الله، حين يظن أن ذنوبه أكبر من الغفران، وأنه مطرود من رحمةٍ الله. هذا ليس ظلمًا فقط بل قتلٌ للنفس، ولو علِم الإنسان مقدار الخسارة حين يظلم نفسه، لفرّ منها كما يفرُّ من النار؛ فالظلم لا يبدأ عندما يظلم غيره، بل عندما يهين قلبه، ويخون فطرته، ويبتعد عن الطريق الذي خُلق له، ما أبشع أن يتحول نور الصلاة إلى ثقلٍ يؤجل، ثم إلى عادة تُنسى، كل ضياع يبدأ من سجدةٍ تركها الإنسان، وكل انكسار يبدأ حين يترك آخر نافذة هواءٍ لروحه
ووسط هذا كله، تأتي الحقيقة التي لا يجادلها أحد: كما قال تعالى: ” وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون”
الله لا يطرد عبدًا، ولا يقسو على روح، ولا يُغلف بابًا في وجه تائب.
الإنسان وحده من يطفيء شمعة قلبه، ويشد على نفسه القيود، ثم يبكي من الاختناق.
فكل العجب أنك قادر على النجاة بمجرد أن تقول: كفى.. لقد أرهقت نفسي، اكتب نهايتك بيدك نورًا لا عتمة، وانقذ نفسك من نفسك، فالروح لا تحتاج سوى لحظة صدق، ليعود النور إلى طريقٍ ظن العبد أن لن يُفتح له من جديد.
