بقلم: ا.د روحية الشريف
أستاذ الأمراض الروماتيزمية والمناعية بكلية الطب جامعة المنيا
واستشاري الأمراض الروماتيزمية والمناعية بمستشفي سلامات بالمملكة العربية السعودية
مرض القولون التقرحي المفصلي يمثل واحداً من أبرز المظاهر خارج الأمعاء لالتهاب القولون التقرحي، حيث يتجاوز الالتهاب المزمن الأمعاء ليصيب المفاصل.
أولا….. الاسباب
1- الفرضية الجينية والبيئية:
يُعتقد أن المرض ينجم عن تفاعل معقد بين الاستعداد الجيني (خاصة وجود جين HLA-B27 المرتبط بالتهاب الفقار اللاصق) والعوامل البيئية التي تؤدي إلى تحفيز استجابة مناعية غير طبيعية.
2- الالتهاب الجهازي (Systemic Inflammation):
لا يقتصر التهاب القولون التقرحي على الجهاز الهضمي، بل يطلق جزيئات وسيطة التهابية (مثل السيتوكينات كـ TNF-\alpha والإنترلوكينات IL-6 و IL-1\beta و IL-23) إلى الدورة الدموية. هذه الوسائط تنتقل وتترسب في الأنسجة الأخرى، بما في ذلك الأغشية الزليلية للمفاصل، مما يسبب الالتهاب المفصلي.
3-Microbial Load/Gut Leakiness):
قد يؤدي الالتهاب المعوي إلى زيادة نفاذية جدار الأمعاء مما يسمح للبكتيريا أو مكوناتها بالمرور إلى الدورة الدموية والانتقال إلى المفاصل، حيث تحفز هناك رد فعل مناعي التهابي (Cross-Reactivity).
ثانيا… الاعراض التي تجبر المريض لزياره عياده الروماتيزم
بالإضافة إلى أعراض الجهاز الهضمي (مثل الإسهال الدموي، وآلام البطن، والحاجة المُلحة للتبرز)، يمكن أن يؤثر التهاب القولون التقرحي على أجزاء أخرى من الجسم. تُعرف هذه الأعراض باسم المظاهر غير المعوية وتشمل ما يلي:
1-الام المفاصل..
حيث يوجد انواع من آلام المفاصل يختلف كل نوع من حيث عدد المفاصل المصابه ونوعها ويختلف أيضا في طريقه العلاج
أ- النوع الاول يصيب المفاصل الطرفيه
–ويكون الأكثر شيوعاً بين مصابي التهاب القولون التقرحي.
–إصابة أقل من 5 مفاصل (عادة 1-4 مفاصل).
ودائما يشمل المفاصل الكبيرة مثل الركبة، الكاحل، الفخذ أكثر المفاصل تأثرا.
— عادة ما يكون حاداً ومحدوداً. ويستمر من بضعة أسابيع إلى أشهر.
— الارتباط بنشاط القولون: يوجد ارتباط قوي ومباشر؛ تبدأ نوبة التهاب المفاصل بالتزامن مع تفاقم التهاب القولون وتتحسن مع هدوئه.
ب — يوجد نوع اخر من التهاب المفاصل الطرفي وهو متعدد المفاصل:
— الخصائص: إصابة أكثر من 5 مفاصل (متعدد المفاصل).
— الموقع: يميل إلى إصابة المفاصل الصغيرة والمتوسطة (أصابع اليدين والقدمين).
— المسار: عادة ما يكون أقل حدة وله مسار مزمن قد يستمر لسنوات.
— الارتباط بنشاط القولون: لا يوجد ارتباط مباشر بنشاط القولون؛ يمكن أن يستمر حتى في مرحلة خمود المرض المعوي.
ج- التهاب المفاصل المحوري (Axial Arthropathy):
— النمط: يتمثل في التهاب المفصل العجزي الحرقفي (Sacroiliitis) أو التهاب الفقار اللاصق (Ankylosing Spondylitis).
— الخصائص: ألم التهابي في الظهر (يسوء في الصباح ويتحسن بالحركة).
— الارتباط بنشاط القولون: مستقل إلى حد كبير؛ لا تتغير شدته بتحسن أو تدهور التهاب القولون.
ثالثا….الأعراض غير المفصلية لالتهاب القولون التقرحي
1- الجلد :
الحمامى العقدية (Erythema Nodosum): وهي كتل حمراء ومؤلمة تظهر عادة على الساقين.
تقيح الجلد الغنغريني (Pyoderma Gangrenosum): وهو تقرحات جلدية مؤلمة يمكن أن تبدأ على شكل بثور أو نتوءات صغيرة وتنمو لتصبح قروحًا عميقة.
2- العيون :
التهاب القزحية/التهاب العنبية (Uveitis/Iritis): يسبب احمرارًا وألمًا في العين وحساسية للضوء (رهاب الضوء)، وقد يؤثر على الرؤية.
التهاب فوق الصلبة (Episcleritis): التهاب الطبقة الخارجية للصلبة (بياض العين) يسبب احمرارًا وحكة وألمًا خفيفًا.
3- الكبد والقنوات الصفراوية:
التهاب الأقنية الصفراوية المصلب الابتدائي (Primary Sclerosing Cholangitis – PSC): وهو التهاب وتليف في القنوات الصفراوية داخل وخارج الكبد، مما قد يؤدي إلى تلف الكبد.
4- الفم :
قرح الفم (Aphthous Ulcers): أو ما يُعرف بالقرح القلاعية، وهي تقرحات صغيرة ومؤلمة تظهر في الفم.
5- الجهاز الدموي:
فقر الدم (Anemia): ينتج غالبًا عن فقدان الدم المزمن بسبب نزيف المستقيم.
زيادة خطر التجلطات الدموية: في الأوردة والشرايين.
6- الجهاز الهيكلي:
هشاشة العظام (Osteoporosis) ونقص كثافة العظام: بسبب سوء الامتصاص أو استخدام بعض الأدوية (مثل الكورتيكوستيرويدات).
(هذه لا تشمل التهاب المفاصل الشائع، ولكنها مشاكل عظمية).
7- الأعراض الشائعة التي تصاحب نوبة الالتهاب:
بالإضافة إلى المظاهر غير المعوية، تظهر أعراض جهازية عامة بسبب نشاط الالتهاب في القولون:
الإرهاق والتعب الشديد.
الحمى (ارتفاع درجة الحرارة).
فقدان الوزن.
فقدان الشهية.
رابعا….. العلاج
1-علاج النوع الأول (المرتبط بالقولون):
1-1- الهدف الأساسي هو تحقيق الخمود المعوي.
1-2- استخدام عقاقير الأمينوساليسيلات (5-ASA) والكورتيكوستيرويدات الجهازية قد يخفف من الأعراض المفصلية بالتزامن مع تحسن القولون.
1-3- في الحالات المقاومة، يُستخدم البيولوجيك (Biologics) المضادة لـ TNF-\alpha (مثل إنفليكسيماب وأداليموماب)، والتي لها فعالية عالية ومزدوجة في علاج القولون والتهاب المفاصل معاً.
2-علاج النوع الثاني (المستقل):
2-1- غالباً ما يتطلب استخدام مضادات الروماتيزم مثل الميثوتريكسات أو السلفاسالازين التي تستهدف الالتهاب المفصلي بشكل مباشر، حتى في خمود القولون.
2-2- مثبطات JAK (Janus Kinase inhibitors)، وهي أدوية فموية موجهة، قد تكون خياراً فعالاً للحالات الصعبة.
2-3- علاج النوع الذي يؤثر علي مفصلي الحرقفتين:
أ- العلاج الطبيعي وتمارين الحركة ضرورية.
ب- الخيار العلاجي الأكثر فعالية هو الأدوية البيولوجية المضادة لـ TNF-\alpha، بينما تكون الكورتيكوستيرويدات الموضعية أو الجهازية أقل فعالية للالتهاب الفقري.
2-4- تجنب المسكنات غير الستيرويدية (NSAIDs): تُستخدم بحذر شديد وبجرعات منخفضة جداً ولفترة قصيرة، نظراً لخطرها في إثارة أو تفاقم التهاب القولون.
في الختام،
يمثل فهم العلاقة الوثيقة بين نشاط التهاب القولون التقرحي وظهور التهاب المفاصل المصاحب له حجر الزاوية في الإدارة العلاجية. تتطلب هذه الحالة نهجاً علاجياً متكاملاً، يرتكز على السيطرة على الالتهاب المعوي أولاً، مع استخدام العلاجات البيولوجية والدوائية الموجهة التي تثبت فعاليتها في تهدئة كل من أعراض القولون والمفاصل، لضمان تحسين جودة حياة المريض.
