بقلم السيد عيد
في منتصف كل يوم، هناك لحظة قصيرة لا ينتبه لها معظم الناس؛ لحظة يشبه فيها الإنسان ظلَّه… لا صوت له، ولا حركة، ولا رغبة سوى أن يفهم لماذا يمشي بهذه الطريقة، ولماذا يحمل هذا القدر من الحكايات فوق كتفيه.
نحن نعيش في مجتمع يُعلّمنا منذ الصغر كيف نُجامل، لكن لا يُعلّمنا كيف نكون صادقين مع أنفسنا. يدفعنا إلى الركض خلف ما يريده الآخرون، لا ما يريده القلب. نكبر ونحن نسمع صوت العالم أعلى من صوتنا، ثم نتفاجأ — حين نصبح وحدنا — أننا لا نعرف من نكون فعلًا.
الفلسفة ليست كتبًا على رفّ بعيد، بل هي سؤالٌ بسيط يتكرر كل صباح:
“هل أنا على ما يرام؟”
والمجتمع، بكل زخمه وضجيجه، لا يمنحنا الوقت الكافي لنجيب.
فالناس تتغيّر بسرعة… والمشاعر تُستهلك… والأحلام تتبدل كي تناسب العالم لا كي تناسب أصحابها. نُحمّل أنفسنا ما لا نطيق، فقط لأن الجميع يفعل ذلك. نُجامل حتى نتعب، نبتسم حتى نتعب، نتظاهر بالقوة حتى نتعب… ثم نسأل في آخر الليل: لماذا نشعر بالوحدة وسط هذا الزحام؟
الحقيقة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مجتمع كامل، بل يحتاج إلى دائرة صغيرة يفهمه أفرادها دون شرح، ويقتربون منه دون مصلحة، ويحبونه دون شرط. لكن هذه الدائرة أصبحت اليوم نادرة… لأننا صرنا نختار الناس بعين الخوف، لا بعين القلب.
وفي وسط كل ذلك، ينسى الإنسان نفسه.
يتوقف عن تذكّر ما يحب، وما يحلم به، وما يخشاه، وما ينقصه. يصبح نسخة اجتماعية مصنوعة بإتقان لترضية الآخرين… بينما الأصل الحقيقي يختفي في الخلف، يلوّح بيده في صمت، ينتظر أن يلتفت إليه أحد.
وهنا يظهر السؤال الفلسفي الأكبر:
هل نعيش كما يجب… أم كما يتوقّع الآخرون؟
الفرق بينهما هو الفرق بين إنسان يتنفس… وإنسان يعيش.
قد تكون الحياة صعبة، لكن القسوة الحقيقية أن نعيشها ونحن منسلخون عن ذواتنا. قد يكون المجتمع ضروريًا، لكن الخطر حين يصبح معيارًا لنوعية أحلامنا. وقد تكون المجاملة طيبة، لكن المشكلة حين تصبح نمطًا مستمرًا يبتلع حقيقتنا شيئًا فشيئًا.
ووسط هذا الازدحام، يصبح أجمل انتصار للإنسان… أن يقف أمام نفسه بلا خوف. أن يواجه ضعفه، ويصالح ماضيه، ويعترف بأخطائه، ويحب تفاصيله الصغيرة التي لم ينتبه لها أحد.
فحين يفعل ذلك… يصبح صوته أعلى من ضجيج العالم.
وتصبح خطواته واضحة، حتى لو كانت بطيئة.
ويصبح قادرًا على أن يعيش كما يريد… لا كما يجب.
وفي النهاية، يكتشف أن أعظم مجتمع يمكن أن ينتمي إليه هو ذاك الذي يصنعه داخل نفسه… مجتمع من الأفكار النقية، والمشاعر الحقيقية، والقرارات التي تُتخذ بقلب صادق لا بعين خائفة.
ذلك هو الطريق إلى إنسان أكثر صدقًا… وأكثر حرية… وأكثر قدرة على أن يرى الحياة كما هي، لا كما تُفرض عليه.
