بقلم السيد عيد
كانت الغابة القديمة بسيطة وواضحة: من يزأر أقوى يحكم، ومن يمتلك القوة يعيش. أما غابتنا الحديثة تلك التي نبنيها بأنفسنا فقد أصبحت أكثر تعقيدًا، وأكثر مكرًا. لم يعد الزعيم هو الأقوى، بل هو الأكثر قدرة على إخفاء ضعفه، والأمهر في ارتداء قناع “القوة الدائمة” و”المسؤولية العظمى”.
وكأن الإنسان أصبح أسدًا لا يجرؤ على أن يَنعس، بينما الأسد الحقيقي ينام ثماني عشرة ساعة ثم يستيقظ ليزأر دون أن يشك أحد في هيبته.
وفي الغابة الطبيعية، تتسلق القرود الأشجار بحثًا عن موز أو مكان آمن.
أما في غابة البشر، فقد تحول التسلق إلى صعود على منصات الإعلام ومواقع التواصل.
لم يعد المهم ما الذي سنراه من الأعلى، بل كم عدد العيون التي ستشاهدنا ونحن نتسلق.
فالقرد يصعد ليصل إلى طعامه إلى شيء حقيقي
بينما يصعد الإنسان ليصل إلى “الشهرة”، هذا المورد الوهمي الذي قد يختفي بجملة، أو صورة، أو خوارزمية.
يتوهم الناس أن الشهرة ستجلب لهم “موز الحياة”: النجاح، المال، الاعتراف…
بينما هي في الحقيقة تستهلكهم قبل أن تمنحهم أي شيء.
وفي زاوية أخرى من الغابة، يحلّق النسر.
لكن في عالمنا لم يعد النسر طائرًا، بل صار رمزًا لكل عين تراقب: كاميرات، خوارزميات، وشاشات تقرأ خطواتنا وهمساتنا.
في الطبيعة، يراقب النسر ليقتنص فريسته.
أما في عصرنا، فالمراقبة هدفها جمع شيء آخر: بياناتنا، أسرارنا الصغيرة، ووقت يقظتنا المستمر.
نظن أننا أحرار لأننا نتحرك، لكننا بشكل ما ندور داخل دائرة مرسومة سلفًا.
نعيش في عالم يسمح لنا بالكلام، لكنه لا يسمح لنا بالصمت.
فأصبحت الخصوصية هي الكنـز النادر، تمامًا كما كانت المياه العذبة نادرة في صحراء قديمة.
وفي النهاية…
تحولت “مملكة الحيوان” إلى “مملكة المظهر”،
وانقلبت القوة من عضلات وأسنان… إلى صور وعبارات، وإتقان التخفي في عالم مزدحم بالعيون والمراقبة.
نحن رغم كل تطورنا ما زلنا نعيش داخل غابة.
لكنها غابة بلا أشجار…
غابة يسكنها بشر يشبهون الحيوانات أكثر مما يظنون:
أسود تخشى الظهور بضعف،
قرود تتسلق من أجل الانتباه،
ونسور تراقب بلا كلل.
غابة لم نرثها… بل بنيناها بأيدينا.
