بقلم د.نادي شلقامي
يُعدّ الأول من ديسمبر تاريخًا استثنائيًا في سجل الفكر والثقافة المصرية والعربية، إذ يصادف ذكرى رحيل اثنين من أبرز قامات التنوير والاجتهاد؛ هما المفكر الاجتماعي الرائد قاسم أمين (1908) والباحثة والأديبة الكبيرة عائشة عبد الرحمن المعروفة بلقب “بنت الشاطئ” (1998). رغم التباين في المنهج والزمن، إلا أن كلاهما رفع راية التجديد، ساعيًا لنهضة المجتمع والمرأة عبر أدوات فكرية عميقة، ليبقى رحيلهما في ذات اليوم رمزًا لحوار مستمر بين الحداثة والأصالة في مصر.
أولاً: قاسم أمين (1863 – 1908):
(رائد الحركة النسائية والمجتمع المدني)
وُلد قاسم أمين في تركيا، لكنه نشأ في مصر وتلقى تعليمه القانوني في فرنسا، وعاد ليصبح قاضيًا ومفكرًا إصلاحيًا.
1- الدور التنويري:
يُعرف أمين بـ “أبي الحركة النسائية المصرية”، حيث ركز معظم جهده الفكري على نقد الأوضاع الاجتماعية البالية والدعوة إلى تحرير المرأة كشرط أساسي لنهضة الأمة.
2- أبرز مؤلفاته:
2-1- “تحرير المرأة” (1899): وهو الكتاب الذي أثار عاصفة كبرى، ودعا فيه صراحة إلى تعليم المرأة ورفع الحجاب عنها كرمز للتخلف، مُناديًا بحقها في المشاركة المجتمعية.
2-2- “المرأة الجديدة” (1901): حيث واصل فيه طرحه التجديدي، مؤكدًا على أن المرأة المستنيرة هي مفتاح التقدم.
3- أثره : شكلت أطروحات قاسم أمين نقطة تحول جوهرية، وكانت الشرارة التي أشعلت الجدل حول دور المرأة، وفتحت الأبواب أمام حركات التحرر الاجتماعي في القرن العشرين. توفي في 1 ديسمبر 1908.
ثانياً: عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ” (1913 – 1998): التجديد بعمق إسلامي
وُلدت عائشة عبد الرحمن في دمياط، وتلقت تعليمها الذي جمع بين الأصول الشرعية والفكر الأكاديمي، حتى أصبحت أستاذة للأدب والدراسات الإسلامية.
1- المنهج الفكري:
مثلت “بنت الشاطئ” نموذجًا للمرأة المثقفة التي تمزج بين الأصالة والتجديد. كانت من أبرز المدافعين عن حقوق المرأة من منظور إسلامي مستنير، رافضةً النظرة الغربية السطحية وفي الوقت نفسه مُجددة في الفهم التراثي.
2- أبرز إنجازاتها:
2-1- دراسات قرآنية: قدمت دراسات رائدة مثل “التفسير البياني للقرآن الكريم” وكتبًا عن نساء النبي، مُتبعة منهجًا تحليليًا دقيقًا.
2-2- الأدب: قدمت دراسات نقدية عميقة وكتبًا أدبية تحت اسم “بنت الشاطئ” مثل “على الجسر”، وكتبت سيرًا ذاتية لأدباء.
2-3- الموقف من المرأة: آمنت بضرورة خروج المرأة للعمل والمشاركة، ولكن ضمن ضوابط الشريعة، مقدمة رؤية وسطية ومستنيرة.
3- أثرها: أسست مدرسة فكرية في التفسير والأدب توازن بين متطلبات العصر وعمق اللغة العربية والتراث الإسلامي. توفيت في 1 ديسمبر 1998.
ثالثاً: التقاء الدربين وفارق الزمن (حوار 1 ديسمبر):
يُظهر اقتران ذكراهما في الأول من ديسمبر استمرارية التحدي الفكري في مصر:
1- قاسم أمين جاء في مرحلة الصدمة الحضارية، حيث كان التغيير الجذري هو المطلوب لكسر الجمود.
2- بنت الشاطئ جاءت لاحقًا لتؤكد أن التنوير لا يعني بالضرورة الانسلاخ، بل يمكن أن يكون التجديد أكثر رسوخًا إذا انطلق من فهم عميق للتراث وتفسير مستنير للنصوص.
كلاهما سعى لتحقيق نهضة مجتمعية لا تتم إلا بتحرير العقل وإعداد المرأة، ليشكلا معًا قطبين في رحلة النهضة العربية.
وختاما..إن ذكرى رحيل قاسم أمين وبنت الشاطئ في 1 ديسمبر، بفارق قرابة القرن، ليست مجرد مصادفة تاريخية، بل هي شهادة على أن الفكر التنويري في العالم العربي يتخذ مسارات متعددة، تتراوح بين الدعوة الصريحة للتحديث على أسس مدنية (قاسم أمين)، وبين التجديد المُحافظ على الأسس الروحية والفكرية الأصيلة (بنت الشاطئ). وتبقى أطروحاتهما حية، تشكل جزءًا أساسيًا من الهوية الفكرية المعاصرة للمجتمعين المصري والعربي.
