د.نادي شلقامي
يُعدّ اليوم العالمي لحقوق الإنسان، الذي يُحتفل به سنوياً في 10 ديسمبر/كانون الأول، مناسبة ذات أهمية قصوى على الصعيد العالمي. هذا اليوم ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو تذكير سنوي صارخ بالتعهد الذي قطعه المجتمع الدولي قبل عقود بضمان الكرامة المتأصلة والقيمة المتساوية وغير القابلة للتصرف لجميع أفراد الأسرة البشرية، كما ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. يهدف هذا التقرير إلى استعراض أسباب اختيار هذا اليوم، واستعراض الحقوق الإنسانية الأساسية، وتسليط الضوء على الحقوق المهدرة والواجبة والمفروضة في عالمنا المعاصر.
أولا….لماذا اختير يوم 10 ديسمبر؟
(أسباب الاختيار)
تم اختيار يوم 10 ديسمبر/كانون الأول تحديداً لأنه يوافق تاريخ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948 في باريس.
1-خلفية تاريخية:
جاء الإعلان بعد الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، والتي كشفت عن الحاجة الملحة لوضع معيار عالمي لحماية الحقوق الأساسية للأفراد. كان الهدف هو بناء عالم يقوم على السلام والعدل والحرية.
2- الإقرار بالكرامة:
يمثل هذا التاريخ الإقرار الأول والواضح والجامع بأن حقوق الإنسان ليست مجرد امتيازات، بل هي حقوق متأصلة لكل إنسان بمجرد ولادته، بغض النظر عن عرقه، لونه، دينه، جنسه، لغته، رأيه السياسي أو أي رأي آخر، أصله الوطني أو الاجتماعي، ثروته، مولده أو أي وضع آخر.
ثانيا…. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
(الحقوق المفروضة/الأساسية)
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الأساس القانوني والأخلاقي لحقوق الإنسان الحديثة. يتألف من 30 مادة تحدد الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الجميع. هذه الحقوق هي حقوق متأصلة، وغير قابلة للتصرف، وعالمية، ومترابطة.
— أمثلة على الحقوق الأساسية والمفروضة:
1- الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي (المادة 3).
2- الحرية من العبودية والتعذيب (المادتان 4 و 5).
3- الحق في المساواة أمام القانون (المادة 7).
4- الحق في الجنسية وحرية التنقل (المادتان 15 و 13).
5- الحق في الزواج وتأسيس أسرة (المادة 16).
6- الحق في حرية الفكر والضمير والدين (المادة 18).
7- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:
مثل الحق في العمل، والحق في التعليم، والحق في مستوى معيشة لائق (المواد 22-27).
ثالثاً: حقوق الإنسان المهدرة (التحديات العالمية)
على الرغم من وجود الإعلان العالمي، لا تزال هناك انتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. هذه الانتهاكات تمثل الحقوق المهدرة التي تتطلب عملاً دولياً ووطنياً عاجلاً.
1. الإهدار في الحقوق المدنية والسياسية:
1-1- الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج نطاق القانون: سجن الأفراد دون سند قانوني أو محاكمة عادلة.
1-2- غياب حرية التعبير والتجمع: قمع الأصوات المعارضة وحظر المظاهرات السلمية أو التضييق عليها.
1-3- التعذيب وسوء المعاملة: استخدام القوة المفرطة أو أساليب التعذيب في مراكز الاحتجاز والسجون.
1-4-غياب الديمقراطية والعدالة الانتخابية: التلاعب بالانتخابات أو منع المواطنين من المشاركة الحرة والنزيهة في اختيار ممثليهم.
2. الإهدار في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية:
2-1- الفقر المدقع والتفاوت الصارخ: عدم قدرة ملايين البشر على تلبية احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومأوى.
2-2- الحرمان من الرعاية الصحية والتعليم الجيد: عدم تكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية والتعليم النوعي، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة.
2-3- استغلال العمالة والأجور غير العادلة: عدم توفير ظروف عمل لائقة أو دفع أجور تتناسب مع مستوى المعيشة.
2-4- انعدام الأمن الغذائي: عدم قدرة المجتمعات على تأمين الغذاء الكافي والمغذي بشكل مستدام.
3. الإهدار الذي يطال الفئات الضعيفة والمهمشة:
3-1- التمييز والعنف ضد المرأة: العنف القائم على النوع الاجتماعي، وعدم المساواة في الأجور والفرص، وحرمان النساء من حقوقهن في الميراث أو الملكية.
3-2- انتهاكات حقوق الطفل: عمالة الأطفال، التجنيد العسكري القسري، والحرمان من الرعاية والحماية.
3-3- اضطهاد الأقليات: التمييز والاضطهاد على أساس العرق أو الدين أو الأصل القومي.
3-4- انتهاك حقوق اللاجئين والمهاجرين: معاملتهم كأفراد من الدرجة الثانية وحرمانهم من الحقوق الأساسية مثل العمل أو التعليم أو الأمن.
4. التحديات الجديدة (الحق في بيئة آمنة):
4-1- تفاقم التغيرات المناخية: التلوث البيئي والظواهر المناخية القاسية التي تهدد الحق في الحياة وفي بيئة نظيفة وصحية، مما يؤدي إلى “لاجئي المناخ”.
4-2- التهديدات الرقمية: استخدام التكنولوجيا في المراقبة الجماعية والتجسس وانتهاك الخصوصية الرقمية للأفراد.
رابعا : حقوق الإنسان الواجبة والمستقبلية (الأولويات)
الحقوق الواجبة هي تلك التي يجب على الدول والأفراد الالتزام بتعزيزها وحمايتها اليوم لضمان كرامة الإنسان. تتضمن هذه الحقوق العمل على سد الفجوات الحالية وتأمين الحقوق الناشئة.
1- المساءلة والعدالة: يجب ضمان المساءلة لمنتهكي حقوق الإنسان (سواء كانوا دولاً أو أفراداً) وتقديمهم للعدالة لكسر حلقة الإفلات من العقاب.
2- الحق في بيئة نظيفة وصحية: أصبحت البيئة حقاً أساسياً مُعترفاً به، ويجب على الدول العمل على مكافحة التغيرات المناخية والحفاظ على الموارد الطبيعية كواجب إنساني وأخلاقي.
3- الحق في الوصول الرقمي والأمن السيبراني: في العصر الرقمي، أصبح من الواجب ضمان وصول الجميع إلى الإنترنت بأمان دون خوف من المراقبة أو التجسس أو التضليل الرقمي.
4- مكافحة خطاب الكراهية والتعصب: الالتزام بتعزيز التسامح وقبول الآخر والتنوع الثقافي كحقوق وواجبات اجتماعية.
وختاما…إن اليوم العالمي لحقوق الإنسان ليس مجرد تذكير بما تم إنجازه في عام 1948، بل هو دعوة متجددة للعمل. إنه فرصة لتقييم مدى الالتزام بالمبادئ المنصوص عليها في الإعلان، والاعتراف بأن الحقوق المهدرة تتطلب تضافر الجهود على المستويات الحكومية، والمجتمع المدني، والأفراد. إن حقوق الإنسان هي خطة عمل عالمية لتحقيق السلام والحرية والعدالة. ويبقى الالتزام الدائم بحماية وتعزيز هذه الحقوق هو الواجب الأسمى الذي يقع على عاتق كل دولة ومواطن في العالم.
