د.نادي شلقامي
لم يكن يوم 12 يناير يوماً عادياً في سجلات الفن والأدب العربي، بل كان موعداً لوداع رمزين شكّلا وعي العائلة العربية. إحسان عبد القدوس، الذي اقتحم بجرأة قلمة المسكوت عنه في السياسة والمجتمع، وكريمة مختار، التي منحت الشاشة ملامح الأم المصرية بكل حنانها وصبرها. هذا التقرير يستعرض مسيرة “فارس الرواية” و”أيقونة الأمومة”.
أولاً… إحسان عبد القدوس (1919 – 1990) .. صانع حرية الكلمة
1-النشأة والدراسة
— الميلاد: ولد في 1 يناير 1919، ونشأ في بيئة ثقافية فريدة؛ والده الفنان محمد عبد القدوس، ووالدته السيدة روز اليوسف (مؤسسة المؤسسة الصحفية الشهيرة).
— التعليم: تخرج في كلية الحقوق عام 1942، لكنه فشل في مهنة المحاماة لأنه كان يميل للكتابة، فقرر التفرغ للصحافة والأدب.
2- الموهبة والأسلوب
— تميز إحسان بأسلوب “السهل الممتنع”. كان أول من تجرأ على مناقشة قضايا المرأة والحرية الشخصية والسياسية في رواياته.
— لم تكن رواياته مجرد قصص حب، بل كانت تشريحاً للمجتمع المصري والتحولات السياسية (مثل رواية “في بيتنا رجل”).
3- الأثر والإنجازات
— السينما: يُعد أكثر كاتب تحولت أعماله إلى أفلام (أكثر من 49 رواية)، مثل: “أبي فوق الشجرة”، “لا تطفئ الشمس”، و”أنا حرة”.
— الصحافة: تولى رئاسة تحرير مجلة “روز اليوسف” ومؤسسة “أخبار اليوم”، وكان مقال الرأي الخاص به محركاً للرأي العام.
4- التكريم والوفاة
— التكريم: حصل على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب.
— الرحيل: توفي في 12 يناير 1990، تاركاً خلفه ثروة أدبية تجاوزت 60 كتاباً.
ثانياً… كريمة مختار (1932 – 2017) .. “ماما نونة” وملاذ الشاشة
1- النشأة والدراسة
— الميلاد: ولدت في 16 يناير 1932 (باسم عطيات محمد البدري) في القاهرة، وتعود أصولها إلى مدينة ساحل سليم بأسيوط.
— التعليم: حصلت على بكالوريوس الفنون المسرحية، وبدأت مسيرتها من خلال الإذاعة في برنامج “بابا شارو”.
2- الموهبة والتحديات
— واجهت في بدايتها رفضاً عائلياً لدخول السينما، لذا اقتصر نشاطها لسنوات على الإذاعة حتى تزوجت من المخرج والمنتج نور الدمرداش الذي دعمها فنياً.
— تمتلك موهبة فذة في الأداء الطبيعي التلقائي، مما جعلها “الأم” المفضلة للمخرجين والجمهور.
3- الأثر والبصمة الفنية
–المسرح: دور “زينب” في العيال كبرت صار مرجعاً للأم الصبورة والمضحكة.
— الدراما: شخصية “ماما نونة” في مسلسل “يتربى في عزو” أصبحت ظاهرة اجتماعية، لدرجة أن الجمهور بكى عند وفاتها في المسلسل وكأنها أم حقيقية لكل مشاهد.
— السينما: قدمت روائع مثل “الحفيد”، “رجل فقد عقله”، و”سعد اليتيم”.
4- التكريم والوفاة
— التكريم: نالت العديد من الجوائز من مهرجانات دولية ومحلية، وتم تكريمها في مهرجان القاهرة للدراما.
— الرحيل: غادرت دنيانا في 12 يناير 2017 بعد صراع مع المرض، وشُيعت جنازتها في مشهد شعبي مهيب.
وختاما…فإن رحيل إحسان عبد القدوس وكريمة مختار في نفس اليوم (12 يناير) مع فارق السنوات، يذكرنا بأن الفن الحقيقي هو ما يبقى في وجدان الناس. فبينما علمنا إحسان كيف نفكر ونتمرد على الواقع القبيح، علمتنا كريمة مختار كيف نحب ونحتوي ونحافظ على كيان الأسرة. رحلا جسداً، وبقيا روحاً تلهم الأجيال في كل مرة يُقرأ فيها سطر أو تُعرض فيها شاشة.
