رانيا فتحي
يظل الفنان محمد منير واحدًا من أكثر الأصوات المصرية قدرةً على اختراق الوجدان الجمعي، ليس فقط بفضل خامته الفريدة، بل لأنه حمل مشروعًا فنيًا مختلفًا منذ لحظة ظهوره الأولى. بدأ منير رحلته من قلب النوبة القديمة بأسوان، حيث وُلد في 10 أكتوبر 1951، قبل أن تنتقل أسرته إلى النوبة الجديدة بعد غرق القرى النوبية إثر إنشاء السد العالي. هناك تشكّلت ملامح الطفل الذي كان يغنّي في كل مناسبة، مدفوعًا بدعم أخيه الأكبر فاروق صاحب الصوت العذب.
هبط منير إلى القاهرة بعد حصوله على الثانوية العامة ليلتحق بكلية الفنون التطبيقية – قسم التصوير السينمائي، غير أن القدر كان يهيئه لطريق آخر، حين اكتشفه الشاعر عبد الرحيم منصور ووصفه بأنه “صوت مصر الجديد”، ثم التحق بهما الملحن النوبي الكبير أحمد منيب ليبدأ الثلاثي رحلة تغيير شكل الأغنية المصرية.
ومن المفارقات أن البداية الحقيقية لشهرة منير لم تكن على المسارح ولا عبر الإذاعة، بل داخل الوحدات العسكرية أثناء فترة تجنيده، حيث كان يحيي حفلات للجنود مرتديًا “الأفارول”. وتشير الذاكرة الفنية إلى أن ما لا يقل عن نصف مليون مجند سمعوه لأول مرة هناك، ليخرجوا إلى الحياة العامة وهم يحملون اسم المطرب الأسمر القادم من الجنوب… وهكذا بدأت مسيرته بـ”جمهور من نصف مليون شاب”.
ألبوم أول… يهزّ الساحة
حين أصدر منير ألبومه الأول “علموني عنيكي” عام 1977، كانت الساحة الغنائية تعيش فراغًا بعد رحيل جيل العمالقة. لكن صوت منير، وكلمات منصور، ولحن منيب وقدّمهم للعالم هاني شنودة ويوسف شاهين لاحقًا، أعادوا تشكيل ذائقة جديدة تقوم على التمرد والتجريب، ليلفت الألبوم الأنظار ويحقق نجاحًا استثنائيًا.
توالت بعد ذلك الألبومات التي أصبحت تراثًا فنيًا لجيل كامل، من “بنتولد” و*“شبابيك”* و*“اتكلمي”، وصولًا إلى “في عشق البنات” و“أحمر شفايف”* و*“طعم البيوت”*، وحتى “رباعيات في حب الله”. وهي أعمال تنقلت بين الريجي والبوب والجاز والراي والميتال لتؤكد أن منير ليس مجرد مطرب، بل مغامر موسيقي دائم البحث عن الجديد.
السينما… حين صارت حنجرة شاهين
مثّلت السينما محطة محورية في مسيرة منير، خاصة عبر شراكته الاستثنائية مع المخرج العالمي يوسف شاهين الذي استعان بصوته في عدة أفلام بداية من “حدوتة مصرية” وحتى “المصير”. كما شارك في أفلام مؤثرة من بينها “يوم مر.. يوم حلو” مع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، و*“حكايات الغريب”* و*“الطوق والإسورة”*.
لم يكتفِ منير بالأفلام الروائية، بل قدّم أعمالًا تسجيلية ومسرحية، منها “الملك هو الملك” و*“مساء الخير يا مصر”*، إلى جانب مشاركته في مسلسلات بارزة مثل “جمهورية زفتى”.
أيقونة عبر الحدود
خرج صوت منير إلى العالم عبر حفلات في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة واليابان، إضافة إلى مشاركته في احتفالية الألفية عند سفح الأهرامات، وفي افتتاح بطولة العالم للبولينج. كما قدّم ورقة بحثية بعنوان “أثر الأغنية النوبية على الأغنية المصرية الحديثة” في مؤتمر بجامعة جورج تاون، ليؤكد أنه ليس مطربًا فقط، بل باحثًا وراويًا لتراث الجنوب.
الملك… صوت الحرية
تعددت ألقاب محمد منير بين “ابن النيل” و*“جوهرة مصر السمراء”* و*“صوت مصر”*، لكن أكثر ما يردده الجمهور هو لقب “الملك”، وهو لقب لم يسع إليه منير، لكنه اكتسبه من جمهوره الذي وجد فيه رمزًا للتمرد والحب والحرية.
وبين نشأة بسيطة في النوبة ورحلة صعود ملهمة في القاهرة وقفزات عالمية في أوروبا وأمريكا، ظل محمد منير حكاية مصرية خالصة، صوتًا يبدأ من الجنوب… لكنه يصل إلى كل مكان.
محمد منير… من “أفارول الجيش” إلى أيقونة مصرية بصوتٍ تجاوز نصف مليون شاب
352
