كتب: د.نادي شلقامي
بينما تشتعل المدرجات بالهتاف، وتمتلئ المقاهي بوجوه مشدودة تنتظر صافرة حاسمة أو مشهدًا مفصليًا، تدور في الخفاء معركة أخرى لا تقل ضراوة… معركة صامتة داخل شرايين المصريين وأعصابهم.
لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُمارَس، ولا الدراما مجرد حكايات تُروى للتسلية، بل تحولت الشاشات إلى ساحات استنزاف عصبي، تُبقي المشاهد على حافة الانهيار، وتضع قلبه تحت اختبار قاسٍ مع كل هدف ضائع أو مشهد مأساوي.
نحن أمام واقع صحي يفرض نفسه بقوة، حيث يتحول الانفعال اللحظي أمام الشاشة إلى فواتير طبية مؤجلة، تُسدَّد من ضغط الدم، واستقرار السكر، وسلامة القلب. فهل أصبح شغفنا الشعبي فخًا صحيًا ننزلق إليه دون وعي؟
الملاعب… عندما يتحول التشجيع إلى خطر صامت
يرتبط المصريون بكرة القدم ارتباطًا يتجاوز حدود الرياضة؛ فهي متنفس اجتماعي ومصدر فخر ووجدان جمعي. إلا أن هذا الارتباط، من منظور طبي، قد يحمل مخاطر جسيمة عند تجاوز حدوده الطبيعية:
عاصفة الأدرينالين:
الانفعال الحاد أثناء المباريات يطلق كميات كبيرة من هرمونات التوتر، ما يؤدي إلى تسارع شديد في ضربات القلب وارتفاع مفاجئ في الضغط، وقد يتسبب لدى أصحاب الاستعداد المرضي في جلطات أو تمزق بالشرايين.
الضغط القاتل:
تشير ملاحظات طبية ودراسات محلية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات ضغط الدم عقب مباريات «القمة» أو اللقاءات المصيرية للمنتخب الوطني.
متلازمة القلب المنكسر:
وهي حالة طبية مثبتة تحدث نتيجة صدمة عاطفية حادة أو حزن شديد بعد الخسارة، وتؤدي إلى ضعف مؤقت في عضلة القلب قد يلتبس مع أعراض الجلطة.
تأثير الدراما… ما وراء الدموع والتوتر
لا يقل تأثير الدراما خاصة الدراما الثقيلة المشحونة بالحزن والصراعات خطورة عن المباريات، لا سيما في مواسم المشاهدة المكثفة مثل شهر رمضان:
الاكتئاب الموسمي:
التماهي المستمر مع شخصيات تعيش القهر أو الفقد يرفع مستويات «الكورتيزول» في الجسم، ما يسبب اضطرابات النوم، والخمول، وتراجع الحالة المزاجية.
اضطرابات السكر:
التوتر النفسي المستمر يخلّ بتوازن السكر في الدم، وهو خطر بالغ على مرضى السكري وقد يؤدي إلى مضاعفات حادة.
الاحتراق النفسي:
الانغماس طويل الأمد في عوالم درامية كئيبة يقلل من قدرة الفرد على التعامل مع ضغوط حياته الواقعية، ويخلق حالة من الإحباط الجمعي أو «اليأس المجتمعي المصغر».
روشتة النجاة… كيف نشاهد دون أن نؤذي أنفسنا؟
يتفق الأطباء وخبراء الصحة النفسية على أن الحل لا يكمن في المنع، بل في الوعي وضبط الانفعال:
الفصل الشعوري:
ذكّر نفسك دائمًا أن ما تراه «لعبة» أو «تمثيل»، لا معركة مصيرية ولا واقعًا شخصيًا.
تجنب الأكل أثناء الانفعال:
تناول المسليات المالحة أو السكريات أثناء التوتر يضاعف خطر ارتفاع الضغط والجلطات.
الحركة وتفريغ الشحنات:
المشي لبضع دقائق بين الشوطين أو بعد انتهاء الحلقة يساعد على تهدئة الجهاز العصبي.
كلمة أخيرة
الحقيقة التي لا تقبل التجميل هي أن انفعالك المفرط أمام الشاشة لن يمنح فريقك الفوز، ولن ينقذ بطل المسلسل من مصيره المحتوم، لكنه قد يضع حياتك أنت في مهب الريح.
فالإفراط في المشاعر تجاه ما يُعرض على الشاشات هو استثمار خاسر في الجسد والأعصاب؛ المباراة ستنتهي، والمسلسل سيُسدل عليه الستار، لكن الضرر الذي قد يلحق بالقلب قد لا يمحوه الزمن.
آن الأوان أن ندرك أن صحتنا أغلى من أن تُقايض بلحظة انفعال عابرة، وأن الاستمتاع الحقيقي هو ذاك الذي لا ينتهي بنا في غرف الطوارئ.
ارحموا قلوبكم… فالحياة تستحق أن تُعاش بصحة، لا أن تُستهلك في صراعات وهمية خلف الزجاج.
