بقلم د.نادي شلقامي
— في حضرة الانكسار.. يُولد القائد
في تاريخ الأمم، ثمة لحظات فارقة لا تُقاس بالدقائق، بل بمقدار الكرامة التي تُسكب فيها. نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 في “الدار البيضاء” لم يكن مجرد صراع على كرة وجدال مع حكم؛ بل كان زلزالاً نفسياً كاد أن يطيح بأسطورة “أسود التيرانجا”. حين أطلق الحكم صافرته معلناً ركلة جزاء للمغرب في وقتٍ لا يحتمل الخطأ، انهار البنيان السنغالي، وصدر القرار الأكثر مرارة من مدرب الفريق : “الانسحاب”. في تلك اللحظة، لم يكن ساديو ماني يواجه صافرة ظالمة أو جمهوراً هائجاً، بل كان يواجه “سيكولوجية الانهزام” التي تلبست فريقه. وقف ماني كحائط صد أخير ضد الهروب، صرخ في زملائه صرخةً استقرت في وجدان التاريخ: “عودوا لنلعب كالرجال.. التاريخ لا يكتبه من غادروا الميدان، بل من صمدوا فيه حتى الرمق الأخير!”
الـ 17 دقيقة: الفراغ الذي صنع الملحمة
لم تكن مجرد توقف للمباراة، بل كانت سبع عشرة دقيقة من الصراع الوجودي خلف خطوط التماس. 17 دقيقة والسنغال “ميتة” كروياً، والمدرب يصر على حماية كرامته بالرحيل. في هذا الفراغ الزمني القاتل، كان ماني يمارس “فن القيادة المستحيلة”. لم يقنعهم بالعودة من أجل الكأس فحسب، بل من أجل صورة السنغال في عيون العالم. لقد حوّل ماني تلك الدقائق السبعة عشر من “فضيحة انسحاب” وشيكة إلى “هدوء ما قبل العاصفة”. أقنع رفاقه أن الظلم لا يُهزم بالغياب، بل بالصمود الذي يجعل العدالة تنحني أمام إرادتك.
عاد اللاعبون، والتوتر يكاد يمزق الأجساد. تقدم إبراهيم دياز، نجم المغرب والمحترف في فريق ريال مدريد الأسباني، بثباته المعهود وبرودة أعصابه لينفذ ركلة الجزاء التي كانت تعني ضياع الحلم. سدد دياز الكرة نحو الشباك، لكن شيئاً إعجازياً حدث؛ حارس السنغال، الذي كان قبل دقائق يلملم حقائبه للمغادرة، طار بروحٍ بعثها فيه ماني، ولم يكتفِ بإبعاد الكرة، بل قبض عليها بيديه في مشهد تجميدٍ للزمن. تلك اللحظة كانت “صك الغفران” لماني؛ فلو دخلت الكرة لقالوا “ليته انسحب”، لكن تصدي الحارس لـ “دياز” كان رسالة القدر بأن من يرفض الانكسار، تسانده السماء.
— الشارة لمن استحق المعركة
انتهت الملحمة بفوز السنغال، وحانت لحظة الصعود لمنصة التتويج. وهنا حدث المشهد الذي لم يخطه كاتب سيناريو؛ فرغم أن كوليبالي هو من حمل شارة الكابتن طوال المباراة، إلا أن المدرب، وفي لفتة إنصاف تاريخية، أمر كوليبالي بخلع شارة القيادة ومنحها لـ ساديو ماني. أراد المدرب أن يقول للعالم إن من أعاد الفريق من نفق الانسحاب هو القائد الحقيقي. امتثل كوليبالي بكل حب، ليرتدي ماني الشارة في اللحظة الأخيرة، ويكون هو من يرفع الكأس عالياً نحو سماء المغرب، معلناً انتصار الإرادة على اليأس.
— القيادة أثر لا يزول.. والذهب للمواجهين
الانتصار الحقيقي لم يكن في النتيجة، بل في استعادة “الرجولة الرياضية” التي كادت أن تضيع. ستبقى جملة ماني “عودوا لنلعب كالرجال” مرجعاً في فن الإدارة تحت الضغط؛ فالقائد الحقيقي ليس من يسجل في الشباك، بل من يرمم الشروخ في نفوس رجاله. لقد أثبت ساديو ماني أن الـ 17 دقيقة التي قضاها في مواجهة يأس فريقه كانت أهم من مسيرته الاحترافية بأكملها.وتوجت السماء كفاح القائد الحقيقي بأن فاز ماني بأحسن لاعب في البطولة لم يكن هذا فحسب, بل فاز ساديو مانيه القائد الحقيقي بخلود الكبرياء كقائدٍ روّض المستحيل في ليلة سقوط الأقنعة.
