د.نادي شلقامي
في أعقاب خروج المنتخب المصري من الدور نصف النهائي لبطولة كأس الأمم الإفريقية 2025 التي أقيمت في المغرب، وعقب الخسارة أمام منتخب السنغال بركلات الترجيح، عاد الجدل مجددًا إلى الواجهة، وارتفعت نبرة الانتقادات الحادة التي طالت بعض نجوم المنتخب، وعلى رأسهم محمد صلاح وعمر مرموش، علي مواقع السوشيال ميديا وبرامج الكوميكس…في مشهد يتكرر كلما تعثّر المنتخب، وكأن الإخفاق يُختزل في اسم لاعب واحد، أو ركلة ترجيح ضاعت في لحظة ضغط قاسية، متناسين السياق الكامل للمشوار، وحجم ما قدمه هؤلاء اللاعبون للوصول أصلًا إلى هذه المرحلة المتقدمة.
الخروج أمام السنغال، وهي واحدة من أقوى منتخبات القارة وصاحبة التتويج بالكأس في هذه البطولة، لا يمكن اعتباره سقوطًا أو فشلًا ذريعًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمباراة ندية حُسمت بتفاصيل صغيرة، أبرزها ركلات الترجيح، التي تبقى في النهاية اختبارًا نفسيًا قبل أن تكون مهاريًا، ولا يمكن تحميل نتائجها للاعب بعينه مهما كان اسمه أو حجمه.
محمد صلاح، النجم العالمي والمحترف في صفوف ليفربول الإنجليزي، لم يكن يومًا عبئًا على المنتخب، بل كان أحد أهم أسباب حضوره القوي في البطولة. فالرجل افتتح مشوار مصر بهدف حاسم قاد به المنتخب للفوز على زيمبابوي في المباراة الأولى، ثم عاد ليحسم مواجهة جنوب إفريقيا بهدف الفوز الوحيد في اللقاء الثاني، قبل أن يواصل بصمته التهديفية بإحراز هدف الفوز وهدفه الثالث في البطولة أمام منتخب بنين في المباراة الثالثة. هذه الأرقام والوقائع لا تُمحى بضربة ترجيح أُهدرت في لحظة ضغط عصبي هائل.وتشجيع من الجماهير العربية للمنتخبات الأفريقية علي غير العادة وعلي غير المنطق والطبيعي.
الأمر ذاته ينطبق على عمر مرموش، لاعب مانشستر سيتي، الذي أثبت خلال البطولة أنه عنصر محوري ومشاكس ومؤثر، وأسهم بشكل مباشر في صناعة الهدف الأول أمام زيمبابوي، ثم كرر تأثيره في تسجيل الهدف الأول أمام بنين، ليؤكد أنه من الأعمدة الأساسية لجيل واعد، لا يقل عطاءً أو التزامًا عن أي نجم آخر.
المفارقة المؤلمة أن ذاكرة البعض تصبح قصيرة عند الفوز، فيُنسى دور النجوم، ويُنسَب الإنجاز إلى “المنتخب” ككيان مجرد، بينما عند الخسارة، تُرفع أصابع الاتهام سريعًا نحو صلاح أو غيره، وكأنهم وحدهم من خاضوا اللقاء، أو كأن كرة القدم لعبة فردية لا جماعية.
إن دعم المنتخب لا يجب أن يكون موسميًا أو مشروطًا بالنتائج فقط، فالأوطان لا تُبنى بمنطق جلد الذات، ولا تُدار المنتخبات الكبرى بعقلية البحث عن كبش فداء. محمد صلاح ومرموش وغيرهما من لاعبي هذا الجيل هم من فتحوا “بورد الجناين” للعالم، ورفعوا اسم مصر عاليًا في أقوى الدوريات الأوروبية، وفرضوا احترام اللاعب المصري على الساحة الدولية.
لذلك، لا تعبثوا كثيرًا بما تحقق، ولا تحمّلوا أبناءكم فوق طاقتهم. كونوا معهم في السراء كما في الضراء، فالهزيمة لحظة عابرة، أما القيمة الحقيقية فتبقى في العطاء، والانتماء، ورفع راية مصر عالية… وهي راية لم تسقط يومًا.
