بقلم د.نادي شلقامي
في عالم يتسارع فيه الصراع على النفوذ، لم تعد القوة تقاس بالدبابات والصواريخ فقط، بل بقدرة الأمة على الجذب دون إكراه، والتأثير دون مواجهة مباشرة، والحماية دون إعلان حرب. هذه هي القوة الناعمة، السلاح الأقوى والأكثر دواماً في عصرنا، والذي يبني جسوراً قبل أن يهدم حواجز، ويزرع الولاء في القلوب قبل أن يفرضه بالقوة.
مصر – أم الدنيا – تمتلك من الرصيد الحضاري والثقافي والإنساني ما يجعلها مؤهلة لأن تكون في صدارة هذه القوة. منذ عقود، كانت مصر تصدر للعالم ليس فقط أفلاماً وأغاني، بل هوية ووعياً وقيماً. اليوم، وبعد تقدم ملحوظ في مؤشرات القوة الناعمة العالمية (المركز 38 عالمياً حسب Brand Finance Global Soft Power Index 2025، والأول إفريقياً، مع ارتفاع 10.6 نقاط منذ 2020)، تعود مصر لتستعيد دورها كقائدة ثقافية وإعلامية إقليمياً وعالمياً.
سفراء بلا حدود هم الإعلاميون، الفنانون، الكتاب، الصحفيون، المؤثرون الرقميون، والمبدعون بكل أشكالهم؛ يحملون اسم مصر إلى كل بيت عربي وعالمي، يزرعون صورة إيجابية، يدحضون الشائعات، ويبنون جسور الثقة. وفي الوقت نفسه، يشكلون درعاً يحمي الهوية الوطنية داخلياً من التطرف والانقسام، ويبني تماسك المجتمع ويرسخ قيم المواطنة والاعتدال.
هذا التقرير يرصد كيف يتحول هؤلاء السفراء إلى أداة استراتيجية مزدوجة: تأثير خارجي يعزز مكانة مصر ويحمي مصالحها، وحماية داخلية تبني الوعي وتحصن الجبهة الاجتماعية.
أولا….أفراد القوة الناعمة المصرية
1- الإعلامي:
المنبر الذي يصلح العالم ويحمي الوطن: –
— خارجياً: يقدم الإعلامي المصري – سواء في التوك شو أو الدراما أو البرامج الوثائقية – صورة مصر كدولة حضارية معتدلة. الدراما المصرية في رمضان 2025–2026 تصدرت الشاشات العربية، تنقل قيماً إيجابية وتدحض الروايات المغلوطة عن المنطقة.
–داخلياً : يعمل كدرع ضد الشائعات والتطرف، يروج للإنجازات الوطنية (المتحف المصري الكبير، مشروعات التنمية- معرض القاهرة الدولي للكتاب)، ويبني الثقة في المؤسسات.
2- الصحفي:
القلم الذي يكتب التاريخ قبل أن يُكتب:-
–خارجياً : تقاريره وتحقيقاته في المنابر الدولية تروج للحقيقة المصرية، خاصة في قضايا الشرق الأوسط، وتعزز السمعة كدولة مستقرة ومؤثرة.
— داخلياً: يكشف الفساد، يناقش التحديات بمسؤولية، ويبني وعياً نقدياً بنّاءً يحمي المجتمع من الاستقطاب.
3- اليوتيوبرز والبلوجرز والمؤثرون الرقميون:
جيش الشباب الرقمي
–خارجياً : ملايين المتابعين عالمياً يشاهدون محتوى عن التراث، السياحة، الطبخ المصري، الحياة اليومية؛ يحولون مصر إلى وجهة جذابة ويصنعون “دبلوماسية شعبية” حقيقية.
— داخلياً : يناقشون قضايا الشباب، يروجون للإيجابية، ويحاربون الإشاعات والتطرف عبر لغة جيل Z.
4- الإذاعي:
الصوت الذي يعبر الحدود والأجيال:-
— خارجياً: إذاعة “صوت العرب” ومنصاتها الرقمية لا تزال تصل إلى ملايين العرب والأفارقة، تنقل رسائل السلام والاعتدال.
— داخلياً : يربط المناطق النائية بالعاصمة، يعزز الوحدة الوطنية، ويبني وعياً مشتركاً.
5- الكاتب والمؤلف والمثقف:
العقل الذي يصنع الوعي:-
— خارجياً : ترجمة الأعمال الأدبية، حضور الندوات الدولية، والمشاركة في مهرجانات عالمية؛ يعيدون تأكيد مكانة مصر كمركز فكري (نجيب محفوظ، طه حسين، والجيل الجديد).
— داخلياً : كتبهم ومحاضراتهم تبني فكراً نقدياً، تحارب التطرف، وترسخ قيم الوسطية والتسامح.
6- الفنان (ممثل، مخرج، موسيقي، مبدع):
قلب مصر النابض
–خارجياً : الأفلام والمسلسلات والأغاني المصرية لا تزال تهيمن على السوق العربي، وتُصدّر صورة إنسانية جذابة. افتتاح المتحف المصري الكبير 2025 عزز هذا الدور حضارياً.
–داخلياً : الأعمال الفنية تروج للوحدة، تكافح التمييز، وتبني جيلاً يفتخر بهويته ويحميها.
ثانيا…أمثلة حية على سفراء القوة الناعمة المصرية
–أم كلثوم : الصوت العربي الأسطوري، رمز القوة الناعمة الكلاسيكية في العالم العربي والعالمي
— فاروق الباز : عالم الفضاء المصري، ساهم في برنامج أبولو وصور القمر، سفير علمي عالمي
— محمد صلاح : اللاعب العالمي، أيقونة الرياضة والقيم الإيجابية، يرفع اسم مصر في كل ملعب دولي
— خالد عناني : وزير السياحة والآثار السابق، مهندس عودة السياحة وإدارة المتحف المصري الكبير ومدير عام اليونسكو الحالي.
— مجدي يعقوب : السير مجدي يعقوب، جراح القلب العالمي، رمز الإنسانية والطب المصري في بريطانيا والعالم
— مصطفى مشرفة : عالم الفيزياء النظرية، أحد أبرز علماء مصر في القرن العشرين، أثر في الفكر العلمي العالمي
— نجيب محفوظ : حائز نوبل في الأدب، أكبر سفير أدبي مصري للعالم
— أحمد زويل : حائز نوبل في الكيمياء، رمز الابتكار العلمي المصري
— عمر الشريف : نجم هوليوود العالمي، رفع اسم مصر في السينما الدولية
— يوسف شاهين : مخرج سينمائي عالمي، جسد الهوية المصرية في مهرجانات دولية
– الدكتور أحمد الطيب : شيخ الأزهر، رمز الاعتدال الإسلامي والحوار الديني العالمي
— طه حسين : عميد الأدب العربي، مفكر ومصلح تعليمي أثر في العالم العربي كله
— عبد الحليم حافظ : العندليب الأسمر، صوت الشعب والعاطفة العربية
— نور الشربيني : بطلة الإسكواش العالمية، نموذج الرياضة النسائية المصرية الناجحة
وختاما…فإن القوة الناعمة المصرية ليست رفاهية ثقافية، بل ضرورة استراتيجية وجودية. إنها “سفراء بلا حدود” يفتحون أبواب العالم أمام مصر، وفي الوقت ذاته “درعٌ ” يحمي الهوية من التشويه الخارجي والتفكك الداخلي، ويبني مجتمعاً متماسكاً قادراً على مواجهة التحديات.
في 2026، وبينما يتراجع بعض العمالقة في مؤشرات القوة الناعمة العالمية، تتقدم مصر بخطى ثابتة، مستندة إلى تراثها العريق وجهودها المعاصرة في الدبلوماسية الثقافية، الإعلام، الفنون، والتعليم. الطريق مفتوح لاستعادة الريادة الكاملة، لكن الشرط واحد
(دعم هؤلاء السفراء، توفير مساحة الإبداع الحر المسؤول، والاستثمار الجاد في الصناعات الثقافية والإعلامية.
مصر لا تحتاج إلى قوة ناعمة مستوردة؛ لديها قوة ناعمة أصيلة تنتظر من يوقظها ويوجهها. عندما يتحرك السفراء بلا حدود، يصبح الدرع أقوى، والوطن أمناً، والمستقبل أكثر إشراقاً.
مصر.. قوة ناعمة لا تُقهر، لأنها تُحب الوطن قبل أن تُقاتل، وتبني قبل أن تدافع.
