بقلم د.نادي شلقامي
–رائد النهضة ..
في عصر النهضة العربية الحديثة، برز أحمد تيمور باشا كعملاق فكري يجسد الجسر بين الماضي العريق والحاضر الطموح. ولد هذا الباحث الموسوعي، الناقد الدقيق، والمؤرخ البارع في قلب القاهرة عام 1871، ليصبح رمزاً للإصرار على حفظ التراث العربي والإسلامي. لم يكن تيمور مجرد جامع كتب، بل كان مصححاً للأغلاط التاريخية، ومحققاً للنصوص، ومبدعاً في توثيق اللغة العامية والأمثال الشعبية. داره كانت ملتقى أعلام العصر مثل محمد عبده وسعد زغلول، ومكتبته الضخمة – التي بلغت 18 ألف مجلد – أصبحت إرثاً وطنياً بعد أن أهداها لدار الكتب المصرية. في هذا التقرير، نستعرض حياة هذا العلامة الذي غير وجه الثقافة المصرية، مستندين إلى تفاصيل غزيرة تكشف عن إسهاماته الخالدة، لنرى كيف أصبح تيمور “الأب الروحي” للأدباء مثل ابنيه محمود ومحمد تيمور، وكيف يظل مصدر إلهام حتى اليوم.
أولا….النشأة والخلفية العائلية:
(من أصول كردية-تركية إلى هوية عربية عميقة)
— الميلاد والأصول:
ولد أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور في 6 نوفمبر 1871 (22 شعبان 1288 هـ) في درب سعادة بالقاهرة. كان أبوه إسماعيل باشا تيمور كردي الأصل، أحد كبار أعيان القاهرة ورئيس ديوان الخديوي إسماعيل، بينما كانت أمه تركية الأصل. رغم أصله غير العربي، أكد تيمور دائماً على هويته العربية، قائلاً “الأكراد عرب”، ورفض الانضمام إلى جمعيات تورانية.
— التربية المبكرة:
توفي والده وهو رضيع (بعد شهور قليلة أو سنتين حسب الروايات)، فربته أخته الكبرى عائشة التيمورية، الشاعرة والكاتبة الرائدة في الحركة النسوية العربية في القرن التاسع عشر. كانت عائشة وزوجها محمد توفيق البكري هما الذين شكلا شخصيته الأولى، محاطاً ببيئة ثقافية غنية.
— التأثيرات العائلية:
نشأ في أسرة اشتهرت بالأدب والثقافة، وكان أبوه من الأثرياء الذين جمعوا مكتبات هائلة. هذا البيت أنجب أيضاً أبناءه محمود تيمور (كاتب قصصي شهير) ومحمد تيمور (أديب ومسرحي)، اللذين استفادا من مكتبة والدهما ليصبحا عمالقة في الأدب العربي الحديث.
ثانيا….-التعليم والتكوين الفكري:
(من الدراسة المنزلية إلى التلمذة على يد العمالقة)
— التعليم الأولي:
درس في مدرسة مارسيل الفرنسية لسنوات قليلة، ثم انقطع عن التعليم النظامي وتلقى تعليمه في المنزل، حيث تعلم اللغات التركية والفارسية والعربية بعمق. درس على يد علماء بارزين مثل الشيخ محمد عبده (الذي تأثر به كثيراً)، الشيخ حسن الطويل، والشيخ طاهر الجزائري.
— الانقطاع للعلم:
انقطع تيمور للدراسة والقراءة، مفضلاً البحث الذاتي على المناصب الرسمية. كان شخصيته أكاديمية موسوعية، ناقدة قادرة على التحليل والتصحيح، وسعة أفقه جعلته يجمع بين اللغة، الأدب، التاريخ، والتراث الشعبي.
— الصلات الفكرية:
اتصل بأعلام عصره مثل الإمام محمد عبده، الذي آمن بفكره، وسعد زغلول، إسماعيل صبري، حافظ إبراهيم، وقاسم أمين. داره كانت مجالس أدبية وعلمية حافلة، تحولت إلى منتدى للنقاشات الثقافية.
ثالثا…الإسهامات الثقافية والعلمية:
( بناء مكتبة وتنقيح التراث)
— المكتبة التيمورية:
جمع مكتبة هائلة بلغت 18,000 إلى 19,527 مجلداً، منها 8,673 مخطوطة نادرة. أهداها بعد وفاته لدار الكتب المصرية، ليصبح إرثاً عاماً. وضع فهرساً لخزانة الأدب في 13 فهرساً (مفتاح الخزانة).
— العضويات والمناصب:
عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضو في المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية. شغل عضوية مجلس الشيوخ في عهد الملك فؤاد.
— التوثيق الشعبي:
رائد في توثيق الأمثال الشعبية، حيث جمع في كتاب “الأمثال العامية” أكثر من 3,000 مثل مصري، مع شروح مفصلة تعكس حياة المصريين وعاداتهم.
— تنقيح التاريخ:
عني بتصحيح الأغلاط في معاجم مثل “لسان العرب” و”القاموس المحيط”، وكشف الجوانب الغامضة في التاريخ الإسلامي.
رابعا….المؤلفات الرئيسية:
( إنتاج غزير يغطي مجالات متعددة)
— الكتب البارزة:
ألف نحو 15-20 كتاباً رئيسياً، معظمها نُشر بعد وفاته عبر “لجنة نشر المؤلفات التيمورية”. من أبرزها: “الأمثال العامية” (مشروحة ومرتبة)، “الآثار النبوية”، “أعلام المهندسين في الإسلام”، “أبو العلاء المعري”، “الحب والجمال عند العرب”، “لعب العرب”، “لهجات العرب”، “الكنايات العامية”، “أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث”، “الخزانة التيمورية”، “اليزيدية ومنشأ نحلتهم”، “أوهام شعراء العرب في المعاني”، “تاريخ العلم العثماني”، “ضبط الأعلام”، “التصوير عند العرب”، “طبقات المهندسين”، “المنتخبات من الشعر العربي” (مخطوط)، “نوادر المسائل”، “معجم الفوائد”، “التذكرة التيمورية” (معجم فوائد موسوعي).
— الطابع الموسوعي:
كتبه تغطي الأدب، التاريخ، اللغة العامية، التراث الإسلامي، والعلوم الاجتماعية. كان يؤثر عدم النشر المبكر لتهذيبها، لكنها أصبحت مراجع أساسية بعد وفاته.
— الإرث في الأدب:
دراساته في تاريخ الأدب العربي، مثل “أوهام شعراء العرب” و”أبيات المعاني والعادات”، تعكس ذائقة شعرية رفيعة وإلماماً واسعاً.
خامسا…..الوفاة والإرث الدائم:
(خسارة شخصية ومكسب ثقافي)
— الوفاة:
توفي في القاهرة يوم 25 أغسطس 1930 (58 عاماً) إثر نوبة قلبية، بعد معاناة من وفاة زوجته مبكراً (في سن 29 له)، ووفاة ابنه محمد في سن الثلاثين، مما أثر عليه نفسياً وصحياً. رفض الزواج مرة أخرى خوفاً على أولاده.
— الإرث:
أسس “لجنة نشر المؤلفات التيمورية” لنشر أعماله، ومكتبته أصبحت جزءاً من دار الكتب. يُعتبر رائداً في تحقيق التراث، وكتبه لا تزال مصادر أساسية بعد قرن، مثل “الخزانة التيمورية” و”التذكرة التيمورية”. تأثيره امتد إلى أبنائه وأجيال الباحثين.
وختاما..
فإن أحمد تيمور باشا لم يكن مجرد عالماً، بل كان ثورة ثقافية فردية أعادت الحياة إلى التراث العربي المنسي، وأثرت المكتبات والعقول بإرث لا ينضب. من خلال مكتبته الضخمة، مؤلفاته الموسوعية، وتصحيحاته الدقيقة، أصبح تيمور الرابط بين الماضي والمستقبل، محولاً اللغة العامية إلى كنوز أدبية ومكشفاً أسرار التاريخ الإسلامي. اليوم، في زمن الرقمنة والعولمة، يظل إسهامه شاهداً على أن العلم الحقيقي يتجاوز الزمن، وأن رجلاً واحداً يمكنه أن يغير وجه أمة بأكملها. تيمور ليس تاريخاً مضيئاً لمصر فحسب، بل هو دعوة أبدية للحفاظ على هويتنا الثقافية، فهو الذي ارتفع بقيمة الثقافة حتى جاور السحاب – ويجب أن نتبعه لنصل إلى النجوم.
