بقلم د.نادي شلقامي
— الكلمة حين تصبح سلطة
لم يكن محمد حسنين هيكل مجرد عابرٍ في بلاط صاحبة الجلالة، بل كان “البلاط” ذاته. هو الرجل الذي روّض الحبر ليصنع منه قراراً، وحوّل الورق إلى مرايا تعكس دهاليز الحكم. بذكاءٍ يقترب من الدهاء، وقلمٍ يمتلك دقة الجراح وهيبة القائد، استطاع “الأستاذ” أن يحجز لنفسه مقعداً دائماً فوق قمة الهرم الإعلامي العربي، ليكون الشاهد الأوحد، والمحلل الأبرع، والمؤرخ الذي لم ينتظر التاريخ ليكتبه.. بل كتبه هو بيده.
أولا….. الميلاد والنشأة…
(روح الريف وعقل المدينة)
1- الميلاد: 23 سبتمبر 1923، قرية باسوس (القليوبية).
2- الجذور: نشأ في بيئة تجارية بسيطة، لكن طموحه كان يتجاوز حدود الحقول ليلامس صخب القاهرة.
3- التكوين: مزيج فريد بين أصالة “حي الحسين” التي صقلت وجدانه، ورياح التغيير التي كانت تهب على مصر الملكية آنذاك.
ثانيا….المسار التعليمي..
( العصامي المثقف)
— بدأ في “مدرسة التجارة المتوسطة”، لكن شغفه بالمعرفة قاده إلى القسم الأوروبي بالجامعة الأمريكية.
— لم يكن يحمل شهادات أكاديمية عليا بقدر ما كان يحمل “نهم القراءة” وإتقان اللغات، مما جعله مثقفاً موسوعياً يسبق أقرانه بمراحل ضوئية.
ثالثا…. البدايات الصحفية..
(من حوادث الطرق إلى نيران الحروب)
— الانطلاقة: عام 1942 في “الإيجيبشان جازيت”.
— المحطة الفاصلة: تغطيته لمعارك “العلمين” في الحرب العالمية الثانية، حيث أدرك مبكراً أن الصحافة هي “المسودة الأولى للتاريخ”.
— صناعة الاسم: تنقل بين “روز اليوسف” و”آخر ساعة”، متتلمذاً على يد “التابعي”، ليصقل أسلوبه الرشيق والعميق في آن واحد.
رابعا…. إمبراطورية “الأهرام”..
( عصر الهيكل الذهبي)
— تولى رئاسة تحريرها عام 1957، وحولها من مجرد جريدة إلى مؤسسة دولية.
— الإنجازات المؤسسية: أسس “مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية” وحدث المطابع لتواكب أحدث ما وصل إليه الغرب.
— عمود “بصراحة”: أصبح هذا المقال الأسبوعي بوصلة الشارع العربي، وصار العالم ينتظر “جمعة هيكل” ليفهم ماذا يدور في كواليس السياسة العالمية.
خامسا… النفوذ السياسي..
( كاهن السلطة ومستشار الثورة)
— كان “توأم الروح” للرئيس جمال عبد الناصر، وصائغ فلسفته السياسية (كتاب “فلسفة الثورة”).
— شغل منصب وزير الإعلام والخارجية (لفترة مؤقتة)، لكن سلطته الحقيقية كانت تنبع من “قربه” لا من “منصبه”.
— علاقته بالرؤساء (السادات، مبارك) كانت تتراوح بين التحالف والصدام، مما عرضه للسجن في “اعتقالات سبتمبر 1981”.
سادسا… الموثق والمؤرخ..
(إرث يتحدى النسيان)
— المؤلفات: ترك مكتبة ضخمة تضم عشرات الكتب (خريف الغضب، حرب الثلاثين عاماً، المفاوضات السرية).
— العالمية: تُرجمت كتبه لأكثر من 30 لغة، ليصبح المرجع الأول للباحثين في شؤون الشرق الأوسط.
— البرامج: في سنواته الأخيرة، قدم عبر الشاشات دروساً حية في “تحليل التاريخ” بأسلوب ساحر جمع بين الذاكرة الحديدية والتحليل الأنيق.
سابعا… الرحيل: غياب الجسد وبقاء الأثر
— توفي في 17 فبراير 2016 عن عمر ناهز 92 عاماً.
— رحل هيكل، لكنه ترك خلفه مدرسة صحفية “هيكلية” تقوم على أن الخبر مقدس، والتحليل فن، والكلمة مسؤولية.
وختاما….. أسطورة لا تتكرر
سيظل محمد حسنين هيكل لغزاً جميلاً في تاريخنا المعاصر؛ اختلف حوله الكثيرون كسياسي، لكنهم انحنوا له جميعاً كصحفي. هو الرجل الذي جعل من الحبر “قوة ناعمة” هزت العروش، ومن التحليل “نبوءة” استشرفت المستقبل. لم يكن مجرد صحفي يغطي الأحداث، بل كان جزءاً من الحدث ذاته. رحل هيكل، وبقيت أوراقه شاهدةً على عصرٍ صاغه بكلماته.. وستظل الأهرام، وسيظل تاريخ العرب الحديث، يحمل بصمته التي لا تمحوها السنون.
