د /حمدان محمد
حين فرض الله الصيام لم يفرضه ليكون مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل جعله عبادة عظيمة الغاية والمقصد وأن الهدف منها أن يسمو الإنسان بروحه قبل جسده وأن يرقى بقلبه قبل سلوكه
فجاءت الحكمة الإلهية واضحة في قول الله تعالى
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
فالتقوى هي جوهر الصيام وروحه
وهي أن يعيش العبد في معية الله
ويراقبه في سره وعلنه
ويخاف أن يراه الله حيث نهاه
أو يفتقده حيث أمره
والصيام ليس مجرد ساعات من الجوع والعطش
وإنما هو تدريب عملي على كسر الشهوات
وضبط الغرائز
وتعويد النفس على الصبر
وتحمل المشقة في طاعة الله
فمن قدر على أن يمنع نفسه من الحلال طاعة لله
كان أقدر على أن يمنعها من الحرام خوفا من الله
ومن عظيم فضل الصيام أن الله خصه بمكانة لا تشبه غيره من العبادات
فقال سبحانه في الحديث القدسي
(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)
وفي هذا تشريف للصائمين إذ جعل الله جزاء صيامهم موكولا إلى كرمه وجوده وجزاء لا يحد بعدد ولا يقاس بمقدار
لأن الصيام عبادة خفية لا يطلع على حقيقتها إلا الله
فقد يظهر الإنسان أمام الناس صائما
ولكن صدق الصيام وإخلاصه ومجاهدة النفس فيه لا يعلمها إلا الله
والصيام الحقيقي ليس صيام الجسد وحده
بل صيام الجوارح والقلب
صيام العين عن النظر إلى الحرام
وصيام اللسان عن الغيبة والكذب
وصيام السمع عن الفحش والباطل
وصيام القلب عن الحقد والضغينة وسوء الظن
فإذا لم يمنعك الصيام من معصية
ولم يدفعك إلى طاعة
ولم يغير في أخلاقك وسلوكك
فاعلم أن صيامك نقصه المعنى وإن صح فيه الشكل
فالعبادة التي لا تثمر تقوى في القلب
ولا تظهر أثرا في السلوك
عبادة لم تؤت ثمارها بعد
إن الصيام مدرسة إيمانية متكاملة
يتعلم فيها المسلم معنى الإخلاص
ويتربى فيها على مراقبة الله
ويجدد فيها علاقته بالقرآن
ويطهر فيها قلبه بالتوبة
ويرمم ما فسد في علاقته بالله وبالناس
وما أحوجنا أن نخرج من موسم الصيام
وقد تبدلت قلوبنا
وانكسرت شهواتنا
وقويت صلتنا بالله
وصارت التقوى خلقا دائما في حياتنا
لا حالة مؤقتة تنتهي بانتهاء الشهر
اللهم اجعل صيامنا صيام العارفين بك
واجعل قلوبنا معلقة بطاعتك
واكتب لنا الجزاء الذي وعدت به الصائمين
إنك ولي ذلك والقادر عليه
