نجده محمد رضا
يُعَدّ سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي واحدًا من أبرز رجالات قريش وأحد وجهائها الذين كان لهم أثر بالغ في تاريخ مكة قبل الإسلام وبعده. وُلد في مكة المكرمة في بيتٍ من أرفع بيوت قريش مكانةً وشرفًا، إذ كان من بني أمية الذين تولّوا زعامة قريش في جوانب شتى من حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
مكانته في الجاهلية
كان سفيان بن حرب من سادة قريش المرموقين، عُرف بحكمته ودهائه وحنكته في إدارة الأمور، كما كان من كبار التجار الذين امتدت رحلاتهم إلى الشام واليمن. وكان له مجلس يُقصد للتشاور في شؤون قريش، حيث كان يُعرف بالفصاحة وسداد الرأي، وله مكانة رفيعة بين رجال القبائل.
عرف عنه أيضًا أنّه كان من المدافعين عن تقاليد قريش الجاهلية، وكان من أشد الناس تمسكًا بعبادة الأصنام في مرحلة ما قبل الإسلام، شأنه شأن كبار القوم الذين خشوا أن يُهدد الدين الجديد مصالحهم ومكانتهم.
موقفه من الدعوة الإسلامية
حين بعث الله نبيه محمدًا ﷺ برسالة الإسلام، كان سفيان بن حرب من أوائل المعارضين للدعوة في بدايتها، إذ رأى فيها خطرًا على وحدة قريش ونفوذها. وكان من القادة الذين شاركوا في التخطيط لمحاربة المسلمين في بدايات الدعوة، وكان له دور في تنظيم قوافل قريش وحماية تجارتها من غزوات المسلمين في السنوات الأولى بعد الهجرة.
ومع ذلك، عُرف عنه أنه كان رجلًا عاقلًا لا يندفع إلى العداء الأعمى، وكان يستمع إلى الأخبار عن النبي ﷺ وإلى ما جاء به الإسلام، مما جعله يراقب الموقف بعين المفكر لا بعين الحاقد.
إسلامه وتحوله التاريخي
بعد فتح مكة المكرمة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، وكان سفيان بن حرب من بين الذين أسلموا عن اقتناع وإيمان. وقد استجاب لدعوة النبي ﷺ بعدما رأى رحمة الإسلام وعدله، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأصبح من المسلمين الصادقين الذين بدّلوا ماضيهم بالكلمة الطيبة والعمل الصالح.
ولما أسلم، كان لإسلامه أثر كبير في نفوس قريش، إذ تبعته قبائل وأفراد كُثر لما له من مكانة واحترام بينهم. وأكرمه النبي ﷺ، وأحسن إليه، ودعا له بخير، فكان من المؤلفة قلوبهم الذين ثبت الله الإيمان في صدورهم فيما بعد.
صفاته وأثره بعد الإسلام
تميّز سفيان بن حرب برجاحة العقل، وسعة الحلم، وكرم الخُلق، فكان من الرجال الذين ساندوا الدعوة الإسلامية بعد أن أضاء الله قلوبهم بالإيمان. عُرف عنه أنه كان زاهدًا في الدنيا بعد إسلامه، ملازمًا للطاعة، محبًّا للنبي ﷺ وأصحابه، مسهمًا في نشر الإسلام بين قومه بالكلمة والموقف.
كما كان من الذين ساهموا في إصلاح ذات البين بين المسلمين الجدد وأهل مكة، فاستُخدم حلمه وحكمته في توطيد دعائم السلم بعد الفتح، وكان مثالًا على التحول الحقيقي من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية.
وفاته
تُوفي سفيان بن حرب –رضي الله عنه– في مكة المكرمة، وقد مضى على إسلامه أعوام وهو ثابت على الحق، تاركًا سيرةً عطرةً تُخلّد اسمه في سجلّ من أسلموا بعد طول تأملٍ وبحثٍ عن الحقيقة. وقد ذكر المؤرخون أنّه كان من العقلاء الذين عرفوا جوهر الرسالة النبوية فصدقوا بها، وتركوا أثرًا طيبًا فيمن بعدهم.
أشهر مواقفه وأقواله بعد إسلامه
بعد أن شرح الله صدر سفيان بن حرب للإسلام، تغيّرت مواقفه وسلوكه تغيّرًا عميقًا يعكس صدق إيمانه، إذ أصبح من أكثر الناس تواضعًا بعد أن كان من سادة قريش المتكبرين.
ومن أبرز ما نُقل عنه من أقوال بعد إسلامه قوله لأهل مكة حين رأى الفتح قد تمّ للنبي ﷺ:
“لقد كنّا نحارب الحقّ عن جهلٍ، وها نحن نراه بيّنًا كالشمس، فالحمد لله الذي هدانا بعد أن أضللنا الهوى.”
كان هذا القول شاهدًا على وعيه الكبير وتحوله الإيماني الصادق. وقد اشتهر كذلك بموقفه مع بعض من أسلم حديثًا، حين قال لهم: “لا تذكّروا ما كان بيننا في الجاهلية، فإن الإسلام يجبّ ما قبله، ونحن اليوم إخوة في الله.”
وكان من حكمته أنّه دعا قومه إلى الاعتدال واللين، قائلًا:
“من أحبّ محمدًا فليُحسن خلقه، فإنما الإسلام خُلق قبل أن يكون قتالًا.”
هذه الأقوال والمواقف أثبتت أن الإسلام غيّر مجرى حياته، وأنه لم يكن إسلامًا شكليًا، بل تحولًا روحانيًا عميقًا جمع بين العقل والإيمان.
سفيان بن حرب في ذاكرة التاريخ
خلّد التاريخ اسم سفيان بن حرب كأحد الرجال الذين عاصروا التحول الأكبر في الجزيرة العربية، وشهدوا انتقالها من الجاهلية إلى النور.
وقد اعتبره المؤرخون مثالًا للرجل الذي عرف الحقيقة متأخرًا، لكنه عاش ما تبقى من عمره صادقًا في التوبة، نادمًا على ما مضى، مخلصًا في العمل لدين الله.
ويروي بعض أهل السير أنّه كان يقول قبل وفاته:
“اللهم كما أخرجتني من ظلمة الجاهلية إلى نور الإسلام، فاختم لي بخير، واجعل لقائي بك لقاءَ رحمةٍ ومغفرة.”
رحم الله سفيان بن حرب، فقد كان شاهدًا على أعظم تحول في التاريخ، وتحول هو نفسه من زعيمٍ للجاهلية إلى مؤمنٍ عابدٍ من رجالات الأمة الذين نالوا شرف الصحبة.
إنّ قصة سفيان بن حرب تُجسّد صورة من صور التحوّل الإنساني العظيم الذي أحدثه الإسلام في نفوس العرب، إذ بدّل الكبر إلى تواضع، والشك إلى يقين، والجاهلية إلى إيمان ولم يكن سفيان مجرد رجل من قريش، بل كان شاهدًا على مرحلة التحوّل الكبرى في التاريخ الإسلامي، من الظلام إلى النور، ومن الفرقة إلى الوحدة تحت راية التوحيد.
