بقلم: أحمد رشدي
جلس في المطار يراقب لوحة مواعيد الرحلات، بينما كان قلبه يسبق الطائرات عائداً إلى الوطن. خمس سنوات من الغربة مضت، لم يرَ خلالها وجه أمه ولا ابتسامة أخيه الصغير إلا عبر شاشة الهاتف الصغيرة.
كان يشتاق إلى بيته القديم،
إلى غرفته التي حفظت كتبه ودفاتره،
وسريره الذي شهد سهر الليالي،
ودولابه الذي خبأ ذكريات الطفولة والدراسة والحب.
وحين خطر له اسمها، نسرين،
مرّ شريط الذكريات أمام عينيه.
تذكّر ملامحها الخجولة حين كانت تستمع إلى كلماته المليئة بالعشق،
وتذكّر وعدها له أن تنتظره حتى يعود.
كم كتب لها من الأشعار!
كم ملأ أوراقه بحروف اسمها!
كانت صوته في وحدته،
وظله في غربته.
لكن وجهه بدأ يتغيّر حين تذكّر أن أخبارها انقطعت منذ زمن،
وأن رسائلها لم تعد تصل.
ابتسم رغم ذلك وهو يخرج من جيب بدلته علبة صغيرة بداخلها خاتم ذهبي.
فتحها وهمس لنفسه: سيعجبها،
أعرف ذوقها جيداً.
حين وصل إلى البيت،
لم يعلم أحد بموعد عودته،
فكانت المفاجأة عارمة.
دموع وأحضان وفرحة عمّت أرجاء المنزل العتيق الذي فاحت منه رائحة الزمن الجميل. اغتسل من غبار الغربة بدموع أمه،
ونام أخيراً في حضن الدفء.
وفي المساء، بعد راحة قصيرة،
خرج إلى بيتها.
قلبه يخفق بعنف ويده تتحسس علبة الخاتم في جيبه. طرق الباب ففتحت له أمها بنظرة متسائلة. قال بتردد:
– أنا زميل نسرين في الجامعة…
كنت مسافراً وعدت اليوم،
فقلت أسأل عنها.
وقبل أن ترد الأم،
جاء صوتها من الداخل:
– أحمد معقول؟
تفضل.
دخل البيت،
وها هي أمامه. نسرين… الحلم القديم،
العشق الذي لم يمت. جلست أمامه،
وعيناها كأنهما بحر،
لو سقط فيه لما نجا منه أبداً.
قال بصوتٍ مرتجف:
– عدت اليوم فقط.
ابتسمت ابتسامة حزينة،
وأخبرت أمها أنه كان من أقرب زملائها،
وأنه وعدها بالسؤال عنها عندما يعود.
ابتسمت الأم،
ثم قالت بصوتٍ يقطّعه الأسى:
– طالما كنتَ صديقاً مقرّباً،
أرجو أن تقنعها بالعودة إلى بيت زوجها…
لقد تركته منذ شهرين.
كلماتها سقطت على قلبه كسكينٍ بارد.
شعر برعشةٍ في قدميه،
ونارٍ في صدره،
لكنه تمالك نفسه.
جلس صامتاً بينما الأم تحضر القهوة،
فقالت له نسرين بصوتٍ مرتجف:
لم أستطع يا أحمد أن أقاوم ضغط والدي… تزوجت. أنا آسفة.
قال :وهل يسيء معاملتك؟
– لا، إنه طيب،
لكنه ليس أنت… وأنت تعرف لماذا.
رنّ هاتف الأم،
فدخلت مسرعة لتجيب.
ثم عادت تقول:
محمود، زوجها، يسأل إن كانت ستعود اليوم.
نظر إليها أحمد طويلاً ثم قال بهدوء:
أخبريه أن يأتي… وستعود معه.
تهلل وجه الأم،
وغابت في المطبخ لتعد القهوة،
بينما التفت إليها قائلاً:
الآن لكِ بيت وزوج،
وأنا… لا مكان لي.
أتمنى لكِ السعادة، من كل قلبي.
وقف، وهو يشعر أن الأرض تميد تحت قدميه، وقال بصوتٍ مبحوح:
كوني سعيدة، وسأذكرك إلى الأبد.
خرج من المنزل والدموع تنهمر على خديه بحرارةٍ لم يعرفها من قبل.
سار في الشارع كمن فقد طريقه إلى الحياة. وفي المطار،
وبين ضجيج المسافرين،
جلس صامتاً،
يحدّق في لوحة المواعيد من جديد.
تذكّر كيف ودّع أمه وأخاه بحجة أن العمل استدعاه فجأة.
لم يكن قد حجز تذكرة، لكنه لم يحتمل البقاء. رأى كل ما حدث يمر أمام عينيه
كفيلمٍ سريعٍ يكرّر الوجع مشهداً بعد آخر.
حين نادى المذيع على الرحلة القادمة إلى الغربة، نهض ببطء،
وكأنه يسير نحو قدره.
لم يعد يعرف إن كان عائداً إلى عمله..
. أم إلى غياب
إلي الأبد…
