د.نادي شلقامي
في زمن بات فيه الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم هشاً كالزجاج، تطل علينا “ثورة الفبركة والذكاء الاصطناعي” بوجهها المزدوج: فبقدر ما تقدمه من وعود بتسهيل الحياة والارتقاء بالتكنولوجيا، بقدر ما تفرض تحدياً وجودياً على الأمن النفسي والاجتماعي. إنّ القدرة على توليد محتوى زائف (Deepfakes) بجودة فائقة لم يعد مجرد خيال علمي، بل أصبح أداة فعالة وخطيرة تستهدف الخصوصية والسمعة والنزاهة الوطنية. يقع العبء الأكبر لهذا التحدي على الفرد، لا سيما الفتاة، وعلى الأسرة كنواة للمجتمع، وعلى الدولة كحارس للأمن. هذا التقرير يسلط الضوء على أدوار متكاملة ومترابطة يجب أن تضطلع بها الأسرة، والفرد، والخبراء، والدولة ممثلة في وزارة الداخلية، ووسائل الإعلام، لخوض “معركة الثقة الرقمية” وبناء حصن منيع يحمي المجتمع من جائحة التزييف التي تهدد بتآكل نسيجنا الاجتماعي والأخلاقي.
أولاً:.. دور الأسرة – الحصن الأول للمواجهة
الأسرة هي خط الدفاع الأول لحماية الأبناء، وخاصة الفتيات، من مخاطر المحتوى المفبرك والابتزاز الإلكتروني الناتج عنه.
1- الوعي والتثقيف: يجب على الوالدين مواكبة التطور التكنولوجي وفهم كيفية عمل تقنيات الفبركة وأساليب الابتزاز لتقديم التوجيه السليم بدلاً من عزل الأبناء.
2- بناء الثقة والتواصل: تعزيز قنوات الاتصال المفتوحة مع البنت، لخلق بيئة تشعر فيها بالأمان عند مشاركة أي محتوى مقلق أو محرج تتعرض له، دون خوف من اللوم أو العقاب.
3- المراقبة الواعية: المتابعة الهادئة والواعية لأنشطة الأبناء على الإنترنت، وتوجيههم نحو الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والحذر من مشاركة البيانات والصور الشخصية.
ثانياً:…دور البنت نفسها –
الفتاة هي الهدف الأهم في كثير من حملات التزييف والابتزاز. تمكينها هو جزء أساسي من الحل.
1- اليقظة والشك الصحي: يجب على الفتاة أن تكون متشككة تجاه أي رسائل أو طلبات غريبة أو صور تبدو “مثالية أكثر من اللازم” أو “غير متناسقة” قد تصل إليها، وتعتبر أن أي معلومة أو صورة على الإنترنت قابلة للتزييف.
2- حماية الخصوصية: تقليل البصمة الرقمية قدر الإمكان، وتجنب نشر الصور الشخصية والمحتوى الحساس، وتفعيل إعدادات الخصوصية القصوى على كافة المنصات.
3- الإبلاغ الفوري: في حال التعرض للابتزاز أو الفبركة، يجب عدم الاستجابة للمبتز والإبلاغ الفوري للأسرة والجهات الأمنية المختصة.
ثالثاً:… دور الخبراء والمؤسسات البحثية -( تطوير آليات الكشف والحوكمة )
يقع على عاتق الخبراء والمجتمعات الأكاديمية والتقنية مسؤولية مقارعة التقنية بالتقنية.
1- تطوير أدوات الكشف: العمل على تطوير خوارزميات وأدوات متقدمة للكشف عن المحتوى المفبرك والتزييف العميق (Deepfake Detectors) بسرعة ودقة عالية.
2- وضع المعايير الأخلاقية: المساهمة في وضع مبادئ أخلاقية لتطوير الذكاء الاصطناعي، تضمن أن تكون الأنظمة “عادلة وخالية من التحيز” وتخدم المصلحة العامة.
3- المشورة والتدريب: تقديم الاستشارات والدورات التدريبية المتخصصة للجهات الحكومية والإعلامية والتربوية لرفع كفاءتها في التعامل مع هذه التهديدات.
رابعاً:… دور الدولة (وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية) – (التشريع والإنفاذ)
تتحمل الدولة مسؤولية حماية أمن المجتمع من الجرائم الإلكترونية المنظمة.
1- سن التشريعات: إصدار وتحديث القوانين التي تجرم الفبركة والتزييف العميق واستخدامهما في الابتزاز أو التشهير، مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين.
2- إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة: تعزيز وحدات الجرائم الإلكترونية المتخصصة في وزارة الداخلية، وتزويدها بالتقنيات والكوادر القادرة على تعقب وإنهاء عمليات الفبركة والابتزاز الإلكتروني.
3- التعاون الدولي: بناء شراكات دولية لتبادل المعلومات والخبرات حول أحدث تقنيات الجريمة الإلكترونية وأفضل سبل مكافحتها، خاصة أن الجريمة الرقمية لا تعترف بالحدود.
خامساً:… دور الإعلام ووسائل الاتصال –
(التوعية والتحقق)
يعد الإعلام شريكاً أساسياً في بناء الوعي الجماعي ومكافحة انتشار المعلومات المضللة.
1- التوعية المستمرة: إطلاق حملات توعية مكثفة ومبتكرة تركز على مخاطر الفبركة وتأثيرها النفسي والاجتماعي والقانوني، وتستهدف جميع الفئات العمرية.
2- منهجية التحقق: تبني آليات صارمة لتدقيق الحقائق (Fact-Checking) قبل نشر أو تداول أي محتوى مثير للجدل أو حساس، والتعريف بأدوات التحقق المتاحة.
3- تعزيز الثقافة النقدية: مساعدة الجمهور على تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليلي للمحتوى الرقمي، وتعليمهم كيف يكتشفون علامات التزييف في الصور والفيديوهات (مثل تشوه الأطراف أو نسيج البشرة غير الطبيعي).
ختاما…إن مواجهة العبء النفسي والاجتماعي الناتج عن ثورة الفبركة لا يمكن أن تكون جهداً فردياً أو حكومياً معزولاً. فكما يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطوات متسارعة، يجب أن تكون استجابتنا أيضاً شاملة ومتضافرة. لقد أثبت هذا التقرير أن الحماية من تداعيات التزييف العميق تتطلب جبهة موحدة: تبدأ من وعي الأسرة وتمكين البنت رقمياً، مروراً بـإبداع الخبراء في تطوير حلول الكشف، وصولاً إلى صرامة التشريع والإنفاذ من قبل الدولة، وانتهاءً بـيقظة الإعلام في التوعية والتحقق. إن نجاح المجتمع في هذا الصراع يعتمد على مدى سرعة وقوة بناء هذه الأضلاع المتكاملة، لضمان أن تبقى التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان والارتقاء به، بدلاً من أن تتحول إلى سيف مُسلَّط يهدد هويته وحقيقته.
