بقلم: أحمد رشدي
ليست الثقافة ظلاً باهتاً على جدار المجتمع ولا ترفاً فكرياً يلوِّن المشهد العام فحسب وإنما هي الروح التي تنبض في جسد الأمة والمعنى العميق الذي يمنح وجودها تماسكاً ووجهتها يقيناً فهي الوعاء الأكبر للهوية والمحرك الأقوى لبناء الوعي الجمعي والقوة التي تُسيّر حركة التطور في مسار الشعوب.
يرى علماء الاجتماع أن الثقافة هي مجموع القيم والمعارف والرموز والعادات التي تشكل السلوك الإنساني وتحدد طريقة تفاعله مع محيطه وهي في جوهرها كائن حي يتغير ويتطور كلما تطور الإنسان نفسه وقد ذهب كليفورد غيرتز إلى أنها نسيج من المعاني يجعل الحياة ممكنة الفهم فيما رأى علي شريعتي أنها الإجابة الكبرى التي يقدمها الإنسان عن أسئلة الوجود. ومن هنا تتضح العلاقة الوطيدة بين المجتمع وثقافته فالمجتمع بلا ثقافة يتحول إلى جماعات متفرقة لا يجمعها رابط أما الثقافة فإنها تمنح المجتمع ذاكرته وضميره وتاريخه ومساره وتجعله كياناً متجانساً قادراً على الاستمرار.
والثقافة ليست مجرد مكوّن إضافي في مشروع التنمية بل هي جوهره الأول فعندما تستقيم ثقافة العمل والانضباط واحترام الوقت والعلم يبدأ المجتمع في بناء أساسٍ متين للتطور وقد أثبتت تجارب الأمم من اليابان وكوريا إلى سنغافورة وماليزيا أن النهضة تبدأ بتغيير الوعي قبل بناء المصانع. ويؤكد الاقتصادي أمارتيا سن أن التنمية الحقيقية تتحقق حين يتحول الإنسان من متلقٍّ للموارد إلى صانع للقيمة وهذا التحول لا يتم إلا بثقافة تسمح له بالتفكير الحر والإبداع. ويجمع الخبراء على أن التعليم بلا ثقافة يشبه بناء صرح شامخ على أرض رخوة فالثقافة تصنع عمق الوعي وتمنح المتعلم قدرة على الابتكار لا مجرد حفظ المعلومات.
أما على صعيد الوعي العام فإن الثقافة تشكل العقل الجمعي وتبني رأياً عاماً راجحاً لا تنطلي عليه الدعايات ولا تضلله الشائعات فالمجتمع المثقف قادر على دعم قرارات الدولة حين تكون رشيدة والوقوف أمامها حين تحتاج إلى تصحيح. ولهذا قال مالك بن نبي عبارته الشهيرة إن قابلية الأمم للنهضة أو للتخلف كامنة في ثقافتها قبل أن تكون في مواردها مؤكداً أن التحول يبدأ من الداخل قبل أن يظهر أثره في الخارج.
وعندما تتسع مساحة الثقافة يضيق أفق التطرف فالثقافة بتنوعها واتساعها ونزعتها الإنسانية تُذيب التعصب وتمنع الصدام وتتيح للإنسان أن يرى العالم بعيون أكثر انفتاحاً وقد بينت دراسات معاهد السلام الدولية أن ارتفاع مستوى الوعي الثقافي يقلل نزعات العنف بشكل ملحوظ لأن الثقافة توسع المدارك وتغرس قيم التعايش والاختلاف الخلاق.
وتتعمق أهمية الثقافة حين ننظر إليها من زاوية الرؤية الدينية فالإسلام لم يفصل بين الإيمان والمعرفة بل استهل رسالته بأعظم أمر اقرأ وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم والعلم هنا يشمل كل ما يبني الإنسان ويصلح حياته ويفتح له أبواب الفهم ويقوده إلى عمارة الأرض. وقد رأى الإمام محمد عبده أن الأمة التي لا تجدد ثقافتها محكوم عليها بالتقوقع فيما أكد الشيخ عبد الحليم محمود أن الثقافة الواعية سياج يحمي المجتمع من الانهيار الأخلاقي والفكري.
ولا سبيل أمام الأمة العربية إلى مشروع نهضوي حقيقي ما لم تعِد الاعتبار للثقافة باعتبارها استثماراً قومياً لا مجرد نشاط ثانوي فبناء المستقبل يبدأ بإصلاح التعليم
وحماية اللغة العربية
ودعم الفنون والآداب
وتوسيع دائرة الحوار مع العالم
دون أن نفقد هويتنا
وإشراك الشباب في صياغة وعي ثقافي جديد يعبر عن روح العصر
ويستمد جذوره من تراث الأمة.
وهكذا فإن الثقافة ليست نصوصاً تحفظ ولا شعارات تتردد بل هي قانون الحياة للأمم هي التي تبني الإنسان وتحصّن المجتمع وتمنح الدولة قدرتها على التقدم والاستمرار،
فإذا امتلكت الأمة ثقافة حيّة فاعلة،
امتلكت معها مفتاح المستقبل كله.
