بقلم : أحمد رشدى
العودة إلى الديار
ليست عودة نحو بيتٍ بعينه،
بل عبورٌ نحو طمأنينةٍ
تتعرّف إلينا من جديد
بعد أن هجرناها طويلاً.
العودة إلى الديار
أن تدرك أنّك كنت مسافراً
حتي وإن لم تحرك ساكناً،
وأن الطرق التي مشت بك بعيداً
كانت تقرّبك من لحظة
تفهم فيها أين ينتمي قلبك حقاً.
الديار ليست جدراناً
ولا أبواباً مفتوحة،
هى تلك الرعشة الدافئة
التي تصعد في صدرك
حين تضع حقائبك على الأرض
وتهمس لنفسك:
“ها أنا… عدت.”
يقولون إن في السفر سبعَ فوائد،
وأنا أؤمن أنّ أعظمها
ذلك الفهم العميق
الذي لا يأتي من الطرق الطويلة،
بل من العودة بعدها.
فالفائدة الحقيقية
ليست فيما نراه بعيداً،
بل فيما نراه بوضوح
حين نعود إلى الديار.
في السفر نبتعد لنقيس المسافة
بين ما نظنّه مهمّاً
وما يبقى ثابتاً في القلب.
وفي العودة نكتشف
أننا لم نربح الطرق،
بل ربحنا أنفسنا
وقد صارت أكثر صدقاً…
وأكثر قدرة على الحنين دون حُزن،
والتذكّر دون ألم،
والبقاء دون خوف.
العودة إلى الديار
أن تجد الأشياء كما تركتها،
وأن تجدك مختلفاً عنها،
أهدأ، أعمق،
وممتلئاً بنورٍ
لم يكن فيك
حين خرجت.
هي أن تجلس في ركنٍ قديم
ويجلس معك صمتٌ
تفهمه…
وكأنه كان ينتظر عودتك
ليحدّثك بما لم تستطع سماعه
وأنت بعيد.
العودة إلى الديار
أن تعرف أنّ السفر لم يكن هروباً،
بل دورة كاملة
تعيدك إلى البداية
وأنت أكثر نضجاً،
وأكثر خفة،
وأكثر امتناناً
لكل ما استطعت أن تحمله…
وكل ما استطعت أن تتركه.
وعند العتبة الأخيرة،
حين ترفع رأسك
وتتنفّس عمق اللحظة،
تدرك أنّ الرحلة كلّها
كانت لأجل هذا الشعور فقط:
أنك… قد وصلت.
أنك… قد عدت.
