د.نادي شلقامي
تُعدّ “لغة التجاهل”، التي تعني الامتناع عن الرد أو إظهار عدم الانتباه بشكل واعٍ ومقصود، واحدة من الاستراتيجيات التواصلية والسلوكية الأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل في التفاعلات البشرية. لا يقتصر التجاهل على السكوت أو الصمت فحسب، بل يشمل أيضًا لغة الجسد، وتغيير الموضوع، أو التعامل مع الطرف الآخر وكأنه غير موجود. تختلف دلالة هذا الفعل بشكل جذري بناءً على السياق، النية، والعلاقة بين الأطراف. فهل هو وسيلة فعالة لحماية الذات والحدود؟ أم سلاح مؤذٍ يسبب الأذى النفسي؟ أم هو سلوك ضار في كل الأحوال؟ هذا التقرير يسلط الضوء على الأبعاد الثلاثة للتجاهل: كـنعمة، وكـنقمة، وكـعمل مُسِئ أو صار .
— يمكن تقسيم حالات استخدام أو التعرض لـ “لغة التجاهل” إلى ثلاث فئات رئيسية تحدد طبيعته:
أولا…. التجاهل كـ “نعمة” (حماية وسلامة):
في هذه الحالة، يكون التجاهل استراتيجية دفاعية أو وقائية تهدف إلى الحفاظ على السلامة النفسية والجسدية للشخص، ويُعدّ:
1- وضع الحدود الشخصية (Personal Boundaries):
— الحالة: تجاهل الرسائل أو المكالمات المتكررة وغير الضرورية من أشخاص يحاولون اختراق خصوصية الفرد أو استنزاف وقته وطاقته.
— النعمة: يحافظ على وقت الفرد، طاقته، وهدوئه النفسي، ويُعلّم الآخرين كيفية احترام مساحته.
2- التعامل مع السلوكيات السلبية (Toxic Behaviors):
— الحالة: تجاهل المحاولات المتعمدة للاستفزاز، أو النقد الهدام، أو الثرثرة السلبية التي لا تهدف إلى أي حل.
— النعمة: يمنع تحوّل النقاش إلى شجار عقيم، ويُجرّد الشخص السام من القوة التي يستمدها من ردود أفعال الضحية (قاعدة: “No Reaction, No Power”).
3- الحماية من التنمر الإلكتروني أو التحرش:
— الحالة: تطبيق مبدأ “لا تطعم المتصيد” (Do not feed the troll) وتجاهل التعليقات المسيئة أو التهديدات التي مصدرها مجهول على الإنترنت.
— النعمة: يُوقف التفاعل السلبي ويقطع الأوكسجين عن المسيء، مما يقلل من احتمالية استمرار التحرش.
ثانيا… التجاهل كـ “نقمة” (إيذاء وسوء معاملة):
هنا يتحول التجاهل إلى سلوك مؤذٍ ومُسيطر، يُستخدم كسلاح للعقاب أو الابتزاز العاطفي، ويُعرف بـ “المعاملة الصامتة” (The Silent Treatment):
1- العقاب العاطفي والابتزاز:
— الحالة: تجاهل الشريك أو أحد أفراد العائلة بشكل متعمد ومطول بعد خلاف أو عندما لا تتحقق رغبة المتجاهِل، بهدف إشعار الطرف الآخر بالذنب أو التهميش.
— النقمة: يُعد شكلاً من أشكال الإساءة العاطفية/النفسية. يسبب ضررًا بالغًا، حيث يشعر المتلقي بالرفض، القلق، وعدم الأهمية. هذه الطريقة تمنع النقاش الصحي وتجبر الطرف الآخر على الاستسلام لمجرد إنهاء “العقاب”.
2- التهميش والإقصاء الاجتماعي:
— الحالة: تجاهل زميل في العمل أو الدراسة بشكل جماعي (Bullying/Ostracism)، حيث لا يتم الرد على أسئلته أو يُستبعد من النقاشات والقرارات.
— النقمة: يُدمّر الثقة بالنفس ويؤدي إلى العزلة الاجتماعية والاكتئاب. الشعور بالإقصاء ينشّط نفس المراكز في الدماغ التي تُنشط عند الشعور بالألم الجسدي.
3- التخلي عن المسؤولية الجوهرية:
— الحالة: تجاهل المشاكل أو الأزمات الملحة التي تتطلب تدخلاً وحلاً (مثلاً، تجاهل الزوج لمشاكل مالية تتطلب حواراً).
— النقمة: لا يحل المشكلة، بل يؤجلها ويفاقمها، وينقل عبء إيجاد الحل إلى الطرف الآخر بالكامل، وهو شكل من التهرب.
ثالثا…. التجاهل كـ “عمل يضر بالآخرين (التهرب وعدم احترام الآخر):
في هذه الفئة، لا يُستخدم التجاهل للدفاع عن النفس ضد الأذى، ولكنه يُستخدم كطريقة غير مباشرة للتهرب من التزام أو واجب اجتماعي أو كشكل من أشكال الاستخفاف بالآخرين.
1- تجاهل الالتزامات والتواصل الأساسي:
— الحالة: تجاهل رسائل أو مكالمات عمل هامة، أو التغاضي عن الرد على دعوات اجتماعية أساسية، أو التهرب من تلبية طلب مشروع وبسيط.
— العمل الضار : يدل على عدم احترام لوقت وجهد الطرف الآخر. يُعطي انطباعًا باللامبالاة والتهرب من المسؤولية المشتركة، ويُفقد الثقة في التعاملات المستقبلية.
2- التجاهل عند الغضب والتحكم الانفعالي السيئ:
— الحالة: استخدام التجاهل كوسيلة لإغلاق النقاش فورًا عند الشعور بالغضب، دون الإشارة إلى الرغبة في التهدئة والعودة للنقاش لاحقاً.
— العمل الضار : قد يكون شكلاً خفيًا من أشكال العقاب، حيث يتم استخدام الصمت لإخافة الطرف الآخر أو إجباره على التوقف. هذا يختلف عن “التهدئة المسؤولة” التي يُشير فيها الشخص بوضوح إلى حاجته للوقت ثم يعود للمناقشة.
3- التجاهل كسلوك متكبر أو متعجرف:
— الحالة: تجاهل استفسارات أو وجود شخص ما في محيطك لإظهار التكبر أو اعتقاداً بأن الشخص المتجاهَل أقل أهمية.
— العمل الضار : يؤدي إلى الشعور بالاستياء العميق ويُصنف كإساءة اجتماعية واضحة، حيث يهدف إلى وضع حاجز نفسي مهين بين الطرفين.
وختاما…فإن “لغة التجاهل” ليست بالضرورة خيّرة أو شريرة في جوهرها، بل هي أداة قوية تُصنّف من خلال نية المستخدم وتأثيرها على المتلقي. عندما يُستخدم التجاهل كـنعمة، فهو درع لحماية الذات والعافية النفسية من الاستنزاف والعدوانية. وعندما يتحول إلى نقمة (المعاملة الصامتة)، يصبح سلاحاً مدمراً يهدد العلاقات ويسبب الأذى العاطفي العميق. وأخيرًا، عندما يُمارس كـعمل مُسِئ أو صار ، فهو يعكس تهربًا، عدم احترام، أو استخفافًا بالآخرين والالتزامات الاجتماعية.
