بقلم إيمان دويدار
في المدن التي ازدحمت بالأسوار العالية، لم تعد المشكلة في ضيق الشوارع، بل في ضيق الصدور. صرنا نغلق أبواب بيوتنا بإحكام، وننسى أن نترك نافذة للود، أو شقًّا صغيرًا للرحمة. نعيش متجاورين لا متقاربين، نسمع ضجيج بعضنا ولا نصغي، نرى الوجوه ولا نعرف الحكايات.
كبرت البيوت وصغرت القلوب. صار الهاتف أقرب من الجار، والشاشة أصدق من الجلسة، والرسالة الصوتية أكثر دفئًا – في وهمنا – من سلام يُقال من القلب. نمرّ على بعضنا كأننا عابرو سبيل في محطة مؤقتة، نخشى التوقف حتى لا نُسأل: كيف حالك حقًّا؟
في زمنٍ مضى، كان الباب يُطرق بلا موعد، وكان الطارق يُستقبل بلا ريبة. لم يكن السؤال: «من أنت؟» بل «تفضل». لم تكن العلاقات بحاجة إلى كلمات سرّ، ولا الصداقة إلى طلب متابعة. كانت البساطة هي اللغة، والنية الطيبة هي الضمان.
اليوم، نتقن فنون التحفّظ، ونُجيد صناعة الأقنعة. نضحك كثيرًا في العلن، ونبكي سرًّا في الغرف المغلقة. نخشى الاعتراف بالضعف، مع أن الضعف هو أكثر ما يجعلنا بشرًا. نطلب القوة فنحصل على القسوة، ونبحث عن الأمان فنصنع المسافات.
لكن، رغم كل ذلك، ما زال في هذا المجتمع نبض لم يمت. ما زالت أمّ تفتح قلبها قبل بابها، وما زال رجل يربّت على كتف غريب لأنه يشبه ابنه، وما زالت كلمة طيبة قادرة على ترميم يومٍ كامل. الخير لا يحتاج ضجيجًا ليظهر، يكفيه أن يُترك له مكان.
لسنا بحاجة إلى هدم الأسوار كلها، بل إلى تذكّر لماذا بنيناها. لسنا مطالبين بالعودة إلى الماضي، بل باستعادة ما كان فيه من إنسانية. أن نغلق الأبواب حين يلزم، نعم، لكن أن نترك النوافذ مفتوحة دائمًا… ليدخل الهواء، وتمرّ الرحمة، ويظل الأمل حيًّا.
