يونس عبد الحفيظ
يقال إن أطباءً في إحدى مستشفيات الأمراض العقلية نجحوا في علاج بعض المرضى بتدريبهم على العمل الصحافي. قد يبدو الخبر طريفًا، لكنه في العمق يفتح بابًا ساخرًا ومخيفًا في آن واحد:
هل الصحافة مهنة تحتاج إلى قدر من الجنون؟
أم أن الجنون هو شرطها الخفي؟
لسنا بحاجة إلى كثير عناء لنعثر على مظاهر هذا الجنون في صحف اليوم وشاشات الأخبار ومنصات التواصل؛ حيث تختلط الحقيقة بالوهم، والرأي بالتحريض، والخبر بالإعلان المقنّع. حتى ليخيل للمرء أن الفرق بين ما يُنشر داخل المصحات وما يُنشر خارجها، لم يعد فرقًا في الجوهر، بل في المكان فقط.
الصحافة، في أصلها، فعل اقتحام: اقتحام للمسؤولين، للسكوت العام، وللأفكار الجاهزة. ومن يقتحم لا بد أن يكون خارجًا قليلًا عن المألوف. فالصحافي الذي يتجرد من شؤونه الخاصة لينشغل بشؤون الآخرين، والذي يتوهم – أو يتمنى – أن بإمكانه إصلاح العالم بالكلمات، لا بد أن يحمل شيئًا من الجنون. لكنه جنون من نوع خاص: الجنون المعقول.
هذا الجنون هو الذي يدفع الصحافي إلى السهر على التفاصيل الصغيرة، وإلى ملاحقة الأسئلة المزعجة، وإلى إشباع فضول جمهور لا يشبع. غير أن الخط الفاصل بين الجنون المعقول والجنون المدمر رفيع للغاية، وغالبًا ما يُمحى حين تتدخل المصالح والسلطة والمال.
في زمننا هذا، لم تعد المشكلة في أن الصحافة تحتاج إلى جنون، بل في أن الجنون أصبح بلا ضمير.
فالتلاعب بالحقائق، وتسويق الأكاذيب، وتجميل الفساد، وبيع الخوف، كلها تُمارس اليوم باسم “المهنية” و“السوق” و“متطلبات الجمهور”. وكأن الصحافي لم يعد شاهدًا على العصر، بل موظفًا في مصنع الضجيج.
التاريخ يخبرنا أن كثيرين حاولوا الهروب من أوزار الصحافة إلى عوالم أكثر ربحًا وأقل صداعًا: التجارة، الإدارة، الصفقات. بعضهم نجح ماديًا، لكنه فشل إنسانيًا. فاللحظة التي يُطلب فيها من الإنسان أن يختار بين الربح والضمير، تكشف حقيقة المهنة وحقيقة صاحبها معًا.
الصحافة ليست تجارة، حتى وإن دخلها المال. وليست حيادًا باردًا، حتى وإن رفعت شعار الموضوعية. إنها، قبل كل شيء، موقف أخلاقي. وحين يُطلب من الصحافي أن يصمت عن الغش، أو يزين القبح، أو يزوّر الزمن، فإن الصمت يصبح خيانة، والحياد تواطؤًا.
قد يُطرد الصحافي النزيه من مؤسسته، وقد يُحاصر، وقد يُتهم بالجنون أو السذاجة أو عدم “الاحتراف”. لكنه، في المقابل، ينجو بشيء واحد لا يُقدَّر بثمن: طمأنينة الضمير.
في عالم يعلو فيه الضجيج، ويُكافأ فيه الصمت، تبقى الصحافة الحقيقية فعل مقاومة. مقاومة ضد الرداءة، وضد الكذب، وضد تحويل الإنسان إلى رقم أو سلعة.
نعم، الصحافة ضرب من الجنون…
لكنها، حين تكون صادقة، هي الجنون الذي يحمي العقل.
الصحافة: الجنون المعقول في زمن الفوضى
263
