بقلم / دارين محمود
في قلب القاهرة، ومن مشيخة الأزهر الشريف، تنبعث رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا لتخاطب الضمير الإنساني العالمي. اليوم، يتم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ثمانين عاماً من عمره، قضى جلّها في خدمة العلم، ونشر قيم التسامح، وترسيخ فلسفة التعايش التي جعلت منه أحد أبرز الرموز الأخلاقية في العصر الحديث.
مسيرة من “الساحة” إلى قمة الهرم الأزهري
لم تكن رحلة الدكتور الطيب مجرد تدرج أكاديمي، بل كانت مزيجاً فريداً بين الأصالة الصوفية التي استقاها من نشأته في “ساحة الطيب” بالأقصر، وبين الانفتاح الفلسفي الذي اكتسبه من دراسته في جامعة السوربون بفرنسا. هذا المزيج هو ما منح خطابه تلك “العالمية” التي تمزج بين انضباط النص التراثي ومرونة العقل الحديث.
كلمات لا تُنسى: دستور الطيب للتعايش
على مدار سنوات قيادته لمؤسسة الأزهر، أطلق الإمام الأكبر تصريحات ومواقف حُفرت في ذاكرة الإنسانية، ومن أبرزها
عن الأخوة الإنسانية: “إن الأديان لم تنزل إلا لتعيد للإنسان إنسانيته، ولتخرجه من ضيق الأنانية إلى سعة المحبة”. (من خطاب توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي).
عن قضية المرأة: “الإسلام أنصف المرأة وحررها من قيود الجاهلية، وأي تهميش لدورها هو خروج عن مقاصد الشريعة”.
رسالته للغرب: “الإرهاب لا دين له، وإلصاقه بالإسلام هو ظلم تاريخي وجهل بحقيقة هذا الدين الذي جعل السلام تحية المسلمين”.
الطيب والقدس: صوت لا يهدأ
لطالما كان الإمام الأكبر الصوت الأعلى في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث أكد مراراً أن “القدس ستبقى عاصمة أبدية لفلسطين، وأن الوعي بالقضية هو سلاحنا الأول في وجه التزييف”.
تأثير عالمي عابر للقارات
لم يكتفِ الإمام بالعمل الداخلي، بل قاد جولات “الحوار بين الشرق والغرب”، والتقى بقداسة البابا فرنسيس في لقاءات تاريخية كسرت حدة الصدام الحضاري، ليُثبت للعالم أن الحوار هو البديل الوحيد للدمار.
“إننا لا نبحث عن مجرد تعايش، بل نبحث عن مودة وتراحم يجعل من الاختلاف إثراءً للبشرية وليس سبباً للنزاع.” – د. أحمد الطيب.
ثمانون عاماً، ولا يزال “حكيم العرب” كما يُلقبه الكثيرون، يقف في خندق الدفاع عن الاعتدال، محارباً للتطرف بـ “الكلمة الطيبة”، ومثبتاً أن الأزهر سيظل دائماً منارة العلم وقبلة الوسطية.
