بقلم : أحمد رشدي
ما بعد الظل…
لم يعد القمر مجرد جرم سماوي
بالنسبة لي صار علامة
جرس إنذار
وعدًا بعودة شيء
أحاول إقناع نفسي أنه انتهى
في الليلة التالية لاكتماله لم أهرب
جلست قرب النافذة أراقب الشارع ذاته
الشارع الذي قرر أن يحتفظ بجزء مني
الضوء الفضي كان أهدأ هذه المرة لكنه أكثر مكرًا كأن القمر يبتسم وهو يخفي أنيابه
حين ظهرت الظلال لم أفزع
كانت تتحرك ببطء وتتشكل كذكريات قديمة
رأيت نفسي طفلًا يهرب من مواجهة
وشابًا يؤجل قرارًا
ورجلًا يختار السلامة بدل الصدق
عندها فقط فهمت
الذي كان يطاردني
لم يكن كائنًا من الظلام
بل أنا
نسخة مني لم تعش
احتمالًا دفنته مرارًا
انفتح الممر من جديد
لكن هذه المرة لم يكن مظلمًا بالكامل
كان القمر في نهايته
كأن الطريق لم يُخلق للهروب بل للعودة
سمعت الصوت مرة أخرى
لكن نبرته تغيّرت
لم يعد مخيفًا
بل حزينًا
قال
الظلال لا تولد شريرة
هي فقط ما نتركه خلفنا عندما نخاف
سرت
كل خطوة كانت ثقيلة
ليس لأن الطريق صعب
بل لأن الإجابات أثقل من الأسئلة
في منتصف الممر رأيته
لم يكن وحشًا
كان يشبهني تمامًا
لكن بعينين يقظتين
وبملامح لم تتهرب يومًا من الحقيقة
قال لي
أنت حي لأنك اخترت النصف الآمن
وأنا هنا لأنني حملت ما لم تجرؤ عليه
سألته بصوت بالكاد خرج
وماذا الآن
ابتسم
الابتسامة ذاتها التي لا يملكها إلا من فهم الثمن
وقال
إما أن نعود واحدًا
أو نظل منقسمين
أنت جسد بلا عمق
وأنا ظل بلا حياة
في تلك اللحظة أدركت أن الرعب الحقيقي
ليس في المطاردة
بل في الهروب الطويل من الذات
خطوت نحوه
شعرت ببرودة
ثم دفء
ثم شيء يشبه البكاء دون دموع
انطفأ القمر
لكن الظلام لم يبتلعني
بل تراجع
استيقظت مع شروق الشمس
الشارع كما هو
الناس يمرون
لكن هذه المرة كانوا يرونني
حقًا يرونني
عدت إلى المرآة
نظرت في عيني
كانتا مرهقتين
لكن كاملتين
الآن أعرف
ليست كل قصص الرعب عن الأشباح
بعضها عن أشياء نؤجل مواجهتها
فتكبر في الظلام
وتتعلم كيف تطاردنا
ومنذ تلك الليلة
لم يعد ظلي يسبقني
صار يمشي بجانبي
صامتًا
مطمئنًا
أما القمر
فما زال يكتمل
لكنه حين يفعل
لا أخشاه
لأنه يذكرني بشيء واحد فقط
أن النجاة الحقيقية
ليست أن تهرب من الظلام
بل أن تعود منه
وأنت كامل.
تمت
