بقلم : أحمد رشدي
لم أكن أبحث عن شيء محدد في ذلك اليوم، وهذا في العادة أخطر وضع يمكن أن تضع نفسك فيه؛ لأن الحياة تحب مفاجأة من يعلن استسلامه المؤقت.
خرجت متأخرًا، بلا خطة، وبمزاج يشبه الطقس في نشرات الأخبار قابل للتقلب دون سابق إنذار. كنت مقتنعًا أن أقصى ما قد يحدث هو فنجان قهوة محترم وحديث داخلي طويل مع نفسي، وكلاهما اعتدت عليه.
دخلت المقهى وجلست قرب النافذة، أراقب الناس وهم يمارسون طقوسهم اليومية بثقة مثيرة للدهشة، كأن كل واحد منهم يعرف بالضبط إلى أين يذهب ولماذا.
وبينما كنت أُقلب الملعقة في الكوب بلا سبب مقنع، سمعت صوتًا يقول بهدوء مهذب
هل هذا المقعد مشغول أم أنه فقط يتظاهر بالوحدة مثلك
رفعت رأسي فوجدتها تبتسم ابتسامة لا تطلب الإذن ولا تعتذر عن وجودها.
قلت بسرعة مرتبكة إن المقعد حر،
بل إنه يشعر بالامتنان.
ضحكت، وجلست، وكأنها كانت تعرف منذ البداية أنها ستفعل ذلك.
بدأ الحديث عفويًا، بلا مقدمات ثقيلة ولا أسئلة استجوابية. تحدثنا عن أشياء تبدو تافهة في ظاهرها لكنها تشكّل الحياة في جوهرها.
عن الكتب التي نبدأها بحماس ثم نخونها في منتصف الطريق.
عن الأغاني التي نسمعها سرًا.
وعن الأحلام التي نضعها في درج مؤجل ونقول لها انتظري قليلًا.
كانت خفيفة الظل بطريقة مريحة، لا تحاول أن تكون مضحكة، لكنها تنجح في ذلك دون جهد. أما أنا، فاكتشفت أنني أضحك أكثر مما ينبغي، وأتحدث أقل مما اعتدت، وكأنني أخيرًا وجدت من لا يحتاج إلى شرح مطوّل.
طلبت قهوتها بلا سكر، وقالت إن الحياة حلوة بما يكفي ولا تحتاج إلى إضافات.
أعجبني هذا الرأي، رغم أنني أضفت السكر إلى كوبِي كنوع من الاحتياط العاطفي.
علّقت على ذلك، فقالت إن التوازن هو أن نختلف قليلًا ونتفق كثيرًا. هززت رأسي موافقًا، وأنا أفكر أن هذه الجملة تصلح للحياة أكثر مما تصلح للقهوة.
مر الوقت بسرعة مريبة، تلك السرعة التي لا تأتي إلا في اللحظات الجميلة. لم نشعر بالضجر، ولم نبحث عن هواتفنا، ولم نحاول إثبات أي شيء. كنا فقط هناك، في لحظة خفيفة، تشبه استراحة قصيرة يمنحها القدر لمن أنهكهم الركض.
حان وقت الرحيل، لم يكن هناك مشهد وداع مؤثر. فقط ابتسامة متبادلة، واتفاق غير مُعلن على أن هذا اللقاء لن يكون الأخير.
قالت وهي تنهض إن الأيام البسيطة تستحق أن تُعاد. قلت وأنا أراقبها تغادر إنني أؤمن الآن بهذه النظرية.
في طريق العودة، لاحظت أن الشوارع أقل ازدحامًا، وأن الضوضاء صارت محتملة، وأن العالم على عيوبه الكثيرة ما زال قادرًا على منحنا لحظات صغيرة ،
نبتسم بسببها دون سبب واضح.
وفي المساء، وصلتني رسالة قصيرة منها
اليوم كان خفيفًا أكثر من اللازم…
أظن أن علينا تكرار الخطأ
ابتسمت، وأغلقت الهاتف، وأنا أدرك أن بعض القصص لا تبدأ باعترافات كبيرة، بل بجلسة عادية، وضحكة صادقة، واتفاق صامت على أن الحياة يمكن أن تكون ألطف…
إذا قرر القلب أن يمنحها فرصة.
