كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
ربما رأيت هذه المشية مئات المرات دون أن تتوقف عندها: شخص يسير ببطء، يداه متشابكتان خلف ظهره، خطواته هادئة ونظرته شاردة. نراها لدى كبار السن في الحدائق، أو لدى معلم يتجول في ساحة المدرسة، أو موظف يغادر اجتماعًا ثم يعود بعد دقائق أكثر هدوءًا. وقد تجد نفسك فجأة تفعل الشيء نفسه، دون وعي مسبق.
هذه الإيماءة البسيطة ليست عشوائية، فوفقًا لعلم النفس ولغة الجسد، تحمل دلالات أعمق مما نتصور.
وضعية قديمة بلغة صامتة
في الظاهر، تبدو هذه المشية تقليدية أو حتى قديمة الطراز. الكتفين منفتحان قليلًا، الصدر مرفوع، واليدان خلف الظهر في وضعية ساكنة. علماء النفس يصفونها أحيانًا بالمشية “التأملية” أو “الهادئة”، لأنها تظهر غالبًا عندما يكون العقل منشغلًا بالتفكير لا بالفعل.
عندما يتحرك الجسد ببطء، وتُبعد اليدان عن أي حركة أو إمساك، يرسل الشخص رسالة غير مباشرة لمن حوله:
لا استعجال، لا تهديد، ولا توتر ظاهر.
ماذا يقول علم النفس؟
من الناحية النفسية، تجمع هذه الوضعية بين ثلاث إشارات رئيسية:
الإحساس بالأمان: فتح الصدر يكشف منطقة حساسة، ما يوحي بأن الشخص لا يشعر بتهديد.
التحكم وضبط النفس: وضع اليدين خلف الظهر يحدّ من الحركة الزائدة أو التململ.
التأمل الذهني: الإيقاع البطيء يتماشى مع تفكير أعمق وأهدأ.
لهذا السبب، نلاحظ أن بعض القادة أو الشخصيات المرموقة يتخذون هذه المشية في الأماكن التي يشعرون فيها بالسيطرة أو الألفة. الجسد هنا يقول بصمت: أنا في مساحة آمنة، ويمكنني التمهل والتفكير.
من التوتر إلى المعالجة العقلية
في بيئات العمل، يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح. شخص يغادر اجتماعًا متوترًا بخطوات سريعة ويديه مشغولتين، ثم يعود بعد فترة قصيرة بالممر نفسه، لكن بوتيرة أبطأ ويديه خلف ظهره.
هذا الانتقال غالبًا ما يشير إلى التحول من رد فعل عاطفي سريع إلى مرحلة التفكير والتنظيم الذهني.
تشير دراسات الإدراك الجسدي إلى أن الجسد لا يعكس حالتنا النفسية فقط، بل يساعد في تشكيلها. عندما نُبطئ حركة الجسد، نمنح العقل فرصة لإعادة ترتيب أفكاره.
هل تعني هذه المشية دائمًا الهدوء؟
ليس بالضرورة. فالسياق مهم جدًا.
في بعض الحالات، تكون هذه المشية مجرد عادة، أو نتيجة آلام في الظهر، أو سلوك مرتبط بالتقدم في العمر. وفي ثقافات معينة، تُستخدم كعلامة احترام أثناء الاستماع لشخص ذي مكانة أعلى.
الفرق يظهر في التفاصيل:
الوجه المسترخي والنظرة الهادئة غالبًا ما يدلان على تأمل وطمأنينة.
أما الفك المشدود والرقبة المتصلبة فقد يشيران إلى قلق أو اجترار ذهني.
هل يمكن استخدامها كأداة نفسية؟
يمكن لهذه الوضعية أن تكون تمرينًا بسيطًا للتهدئة، إن استُخدمت بوعي ودون تكلّف.
جرّب في نزهة قصيرة أن تضع هاتفك جانبًا، وتُبطئ خطواتك قليلًا، وتضع يديك خلف ظهرك براحة. راقب أنفاسك وصوت خطواتك، ودع أفكارك تمر دون مقاومة.
قد تشعر في البداية بشيء من الغرابة، لكن كثيرين يلاحظون بعدها شعورًا بالثبات والتنظيم الداخلي.
تحذير مهم
لا ينبغي تحويل هذه الوضعية إلى تصنّع أو محاولة للظهور بمظهر الحكمة أو السيطرة. إذا لم تكن حالتك الداخلية منسجمة معها، فستشعر بالتصلب وعدم الراحة. الهدف ليس الشكل، بل منح الجهاز العصبي استراحة قصيرة من التوتر الدائم.
