بقلم : أحمد رشدى
لم يكن التعليم يومًا مجرد مرحلة عمرية يمر بها الإنسان، ولا شهادة تُعلَّق على الجدران،
بل كان ولا يزال الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات وصناعة المستقبل.
فالأمم التي أدركت مبكرًا قيمة التعليم،
وجعلته أولوية وطنية لا تخضع للمساومة، استطاعت أن تتجاوز الفقر وقلة الموارد،
وأن تحجز لنفسها مكانًا متقدمًا في عالم لا يعترف إلا بالمعرفة والكفاءة.
التعليم في جوهره عملية متكاملة، لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تمتد إلى تشكيل العقل، وبناء الشخصية، وترسيخ القيم، وتنمية القدرة على التفكير النقدي والتحليل.
وحين يختزل التعليم في الحفظ والتلقين، يفقد روحه، ويتحول إلى عبء ثقيل لا يحقق الغاية المرجوة منه.
أما حين يُبنى على الفهم، ويواكب تطورات العصر، ويُراعي الفروق الفردية، فإنه يصبح أداة حقيقية للتحرر والنهوض.
وقد أثبتت التجارب العالمية الموثقة أن الاستثمار في التعليم يعود بأضعافه على الاقتصاد والمجتمع معًا. فالتعليم الجيد يخلق مواطنًا واعيًا، قادرًا على العمل والإنتاج،
وعلى احترام القانون، والمشاركة الإيجابية في بناء وطنه.
كما يسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية، ويحد من الفقر والبطالة، ويعزز الاستقرار على المدى الطويل.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسيع رقعة التعليم فحسب، بل في تحسين جودته. فالمناهج تحتاج إلى تطوير مستمر، والمعلم يحتاج إلى دعم وتأهيل يليق بدوره المحوري، والبيئة التعليمية يجب أن تكون محفزة على الإبداع لا طاردة له.
كما أن ربط التعليم بسوق العمل، وباحتياجات التنمية الحقيقية، أصبح ضرورة لا غنى عنها في عالم سريع التغير.
إن التعليم ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مشروع وطني شامل، تتشارك فيه الدولة والمجتمع والأسرة. وكل تقصير في هذا الملف لا تظهر نتائجه فورًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا يتراكم مع الزمن. وعلى العكس، فإن كل خطوة جادة نحو تعليم أفضل هي استثمار مضمون في الإنسان، والإنسان هو الثروة الحقيقية التي لا تنضب.
وفي عالم تتسارع فيه المعرفة، وتتنافس فيه العقول قبل الموارد، يبقى التعليم هو الرهان الآمن، والطريق الأكثر استقامة نحو مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا. فهو الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة، ولا يخضع لتقلبات السوق، لأن عائده الحقيقي هو إنسان قادر على الفهم، والعمل، وصناعة الغد.
