بقلم: مصطفى حشاد
في صخب هذا العالم المتسارع، وبينما تطحننا تروس الحداثة، نجد أنفسنا فجأة نلوذ بالصمت أمام “طية” من طيات الماضي قد تكون صورة باهتة الأطراف، أو مفتاحاً لبيت قديم لم يعد قائماً، أو حتى رائحة خبز دافئ تعيدنا إلى أحضان الجدات؛ هناك حيث كان الزمن يسير ببطء، والقلوب تتسع للجميع.
الماضي ليس مجرد حقبة ولت، بل هو “قوة الزمن الباقية” كما يصفه الفلاسفة، إنه الهوية التي تشكل حاضرنا، فكما قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: “من ليس له ماضي، ليس له حاضر ولا مستقبل”، فإننا حين نبحث في طيات الماضي، لا نبحث عن الغبار، بل عن تلك اللحظات الصادقة التي تجعلنا نشعر بإنسانيتنا في زمن سيطرت فيه الآلات والذكاء الاصطناعي.
يشير علماء النفس إلى أن الحنين إلى الماضي أو “النوستالجيا” ليس مجرد حزن على ما فات، بل هو آلية دفاعية تحسن المزاج وتفرز هرمونات السعادة لاسترجاع ذكريات الطفولة، وبساطة العيش يعيد توازننا النفسي، ويمنحنا الأمل بأن الجمال ممكن دائماً إنها “المتعة الحزينة” التي تجعلنا نتصالح مع فقدان الأماكن والأشخاص.
من طيات الماضي تبرز قيمة التراث، ذاك الإرث الثقافي الذي يتجاوز المباني والأدوات ليكون “روحاً” تسكن في عاداتنا وتقاليدنا، التراث هو المعلم الأول الذي يعلمنا ألا نكرر أخطاء الأمس، بل أن نبني فوق أمجادنا السابقة.
فالحفاظ على تفاصيل الماضي ليس انغلاقاً، بل هو ترسيخ للجذور حتى تطول أغصاننا عنان السماء.
إن قراءة الماضي بطريقة صحيحة هي المفتاح لرؤية المستقبل بوضوح لا تجعل طيات الماضي سجناً تعيش فيه، بل اجعلها “ألبوماً” تستمد منه الإلهام والقوة، وتذكر دائماً أن أجمل ما في الحياة ليس الأشياء المادية، بل تلك الذكريات التي نحملها في حقائب أرواحنا ونحن نمضي نحو الغد.
