بقلم : أحمد رشدى
لم تعد المشكلة في مجتمعاتنا نقص الكلام،
بل غياب الإنصات. فالأصوات تتكاثر، والآراء تتزاحم، والمنصات لا تهدأ، بينما القدرة على الاستماع الحقيقي تتآكل بصمت.
أصبح كل طرف يتحدث، وقليلون فقط من يسمعون، وكأن الإنصات صار ضعفًا، أو تراجعًا، أو تنازلًا لا يليق بزمن السرعة والضجيج.
الإنصات ليس صمتًا، بل فعل وعي، وهو احترام للآخر قبل أن يكون استجابة له.
حين ننصت، نحن لا نمنح غيرنا حق الكلام فحسب، بل نمنح أنفسنا فرصة للفهم. غير أن هذا الفعل الإنساني البسيط بات غائبًا في البيوت قبل الشوارع، وفي العمل قبل النقاش العام، حتى صار سوء الفهم هو القاعدة، والحوار استثناءً نادرًا.
وفي ظل هذا الغياب، ترتفع حدة التوتر، وتتسع الفجوات، ويغيب التفاهم. يتحدث الأب ولا يُصغي الابن، وتتكلم الأم ولا تجد أذنًا تسمع، ويتبادل الزملاء الكلمات دون أن يلتقوا عند معنى واحد. الجميع ينتظر دوره في الكلام، لا لحظة الفهم.
وقد ساهمت وسائل التواصل الحديثة، على الرغم من سهولتها، في تعميق هذه الأزمة. فالرسائل السريعة، والتعليقات المقتضبة، وردود الفعل المتعجلة، صنعت وهم التواصل، بينما أضعفت جوهره. لم نعد نتحمل الإصغاء الطويل، ولا النقاش الهادئ، ولا الرأي المخالف، لأن الإنصات يتطلب صبرًا، والصبر لم يعد من سمات هذا العصر.
والمفارقة أن غياب الإنصات لا يقتل الحوار فقط، بل يقتل الثقة. فحين لا نشعر بأن أحدًا يسمعنا بصدق، نغلق أبوابنا الداخلية، ونلجأ إلى الصمت أو الصدام.
وهنا تتبدد فرص الفهم المشترك، ويصبح الاختلاف قطيعة، لا تنوعًا.
إن استعادة ثقافة الإنصات ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية. تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتترسخ في العمل والإعلام. فالإنصات يعيد للكلمة وزنها، وللعلاقة معناها، وللاختلاف قيمته الصحية.
وفي زمن يعلو فيه الصوت، يبقى الإنصات فعل شجاعة. شجاعة أن نُصغي قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نرد، وأن ندرك أن الحوار الحقيقي لا يبدأ بالكلام، بل بالإنصات.
