بقلم : أحمد رشدي
كانت الأسرة الكبيرة قديمًا وطنًا حقيقيًا يتسع للجميع، لا تضيق فيه القلوب ولا تُغلق فيه الأبواب. كنا نجتمع حول الجد والجدة، فتلتقي الأجيال في مشهد إنساني دافئ، تتشابك فيه الأيدي قبل الكلمات.
تارة نجتمع عند الأعمام والعمات وأبنائهم وبناتهم، وتارة أخرى عند الخال والخالة وأولادهم، وكان اللقاء في حد ذاته مناسبة، والجلوس معًا قيمة، والضحكة المشتركة ذكرى تُحفظ في القلب.
في تلك البيوت، كانت صلة الرحم ممارسة يومية لا تحتاج إلى تذكير أو مناسبة. كان السؤال عن القريب واجبًا، وزيارته حقًا، ومشاركته في الفرح والحزن أمرًا طبيعيًا لا يُناقش. الجد كان رمز الحكمة، والجدة قلب العائلة النابض، تجمع حولها الجميع بدعاء صادق ونظرة حانية، فكان وجودهما يمنح الأسرة تماسكًا خاصًا وشعورًا بالأمان والانتماء.
كبرنا، وكبرت الأسرة، وتفرقت بنا الطرق، لكن صلة الرحم لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت جسرًا يحفظ الود ويمنع القطيعة.
حين يصل كل منا رحمه، ويحرص على الحفاظ عليها، لا يفعل ذلك مجاملة اجتماعية، بل يرسخ قيمة إنسانية عميقة تحفظ المجتمع من التفكك. فالعائلة التي تعرف بعضها، وتساند بعضها، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأقوى في مواجهة تقلبات الحياة.
صلة الرحم ليست زيارة عابرة، ولا اتصالًا سريعًا يُسقط الواجب، بل هي حضور حقيقي، واهتمام صادق، ومشاركة وجدانية. هي أن تشعر بفرح قريبك كأنه فرحك، وأن يوجعك ألمه كأنه ألمك. بها يتعلم الأبناء معنى الانتماء، ويكبرون وهم يدركون أن لهم جذورًا ممتدة، وسندًا لا ينهار عند أول اختبار.
وحين يضعف الترابط الأسري، تتسلل القسوة إلى العلاقات، ويحل الجفاء محل الود، ويصبح الفرد وحيدًا في مواجهة الحياة.
أما حين تُحيا صلة الرحم، فإنها تزرع الطمأنينة في النفوس، وتُعيد للأسرة دورها الطبيعي كحاضنة للقيم والدعم والتكافل.
دعونا نعد إلى أسرتنا الكبيرة، لا بالحنين وحده، بل بالفعل. نعد بالزيارة، وبالسؤال، وبالحفاظ على ما تبقى من دفء العلاقات.
فصلة الرحم ليست ماضيًا جميلاً فحسب، بل مستقبلًا آمنًا، وبها يستقيم المجتمع، وتبقى العائلة وطنًا لا يضيق، مهما اتسعت المسافات.
