كتب م / رمضان بهيج
الآية الكريمة “فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ” (الذاريات: 50) هي دعوة ربانية للتوبة، والإنابة، والرجوع إلى الله تعالى بترك المعاصي واللجوء إلى طاعته ورحمته. يفسرها العلماء كهروب من عقابه وخوفه إلى رحمته وأمنه، وهي تجمع بين الخوف من الله والرجاء فيه،
هذه الآية الكريمة ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي منهج حياة ودستور نفسي متكامل. في عالم يضج بالصراعات والخيبات، يأتي النداء الإلهي “فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ” ليكون الملاذ الأخير والوحيد الذي لا يغلق بابه أبدًا.
كلمات تعكس هذا المعنى الإيماني العميق:
الهروب الآمن: حين يكون الله هو المبتغى والمنتهى
في لغة البشر، نحن نفرّ “من” الشيء الذي يخيفنا، أما مع الله، فنحن نفرّ “إليه”. هو الهروب الوحيد الذي لا يعقبه تعب، بل يتبعه أمان لا ينقطع. إنها دعوة لترك الشتات والعودة إلى الأصل، لترك الخلق واللجوء إلى الخالق.
متى تفرّ إلى الله؟
إذا نزل بك المرض: فرّ إليه، فهو الشافي الذي يضع في الداء دواءً، وفي الألم رفعةً للدرجات. فرّ من عجز الأطباء إلى قدرة مسبب الأسباب.
إذا أرهقك الفقر: فرّ إليه، فخزائنه ملأى لا تنفد، وهو الرزاق الذي يرزق الطير في كبد السماء، فكيف بنفحة من فضله تُغنيك عن سؤال العالمين؟
إذا وقع عليك الظلم: فرّ إليه، فهو العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة. نم قرير العين وأنت في كنف من يقول: “وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”.
إذا خذلك الناس: فرّ إليه، فالبشر قد يتغيرون، يرحلون، أو يملّون، أما الله فينتظرك كل ليلة في ثلثها الأخير لينادي: “هل من سائل فأعطيه؟”.
”إن كنت ذا جاهٍ وسلطان، ففِرَّ إلى الواحد الديان؛ ليحميك من شرِ نفسك وأطماعها، فما الدنيا إلا ظلٌ زائل، والله هو الملكُ الحقُ والباقي.”
فلسفة الفرار الإلهي:-
الفرار إلى الله يعني أن تجعل بوصلة قلبك متجهة دائماً نحو السماء. هو ترك المعصية التي تُظلم القلب إلى الطاعة التي تُنير الوجه، وهو الانتقال من ضيق الدنيا إلى سعة رحمته التي وسعت كل شيء.
يقول ابن القيم رحمه الله: “فإن مَن خاف شيئاً هرب منه، ومَن خاف الله هرب إليه”
( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )
إلى مَن تذهب حين تُغلق الأبواب؟
إذا ضاق صدرك بالهموم.. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.
إذا انكسر قلبك من الخذلان.. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.
إذا تعثرت خطاك في دروب الحياة.. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.
عند الشعور بالضياع: “اللهم إني فررتُ من شتات نفسي إليك، ومن ضيق حيلتي إلى واسع كرمك، فآوني في رحابك واجبر خاطري.”
عند الخوف من المستقبل: “اللهم إني استودعتك غدي، وفررتُ بقلبي من مخاوف الدنيا إلى أمانك الذي لا يزول.”
عند طلب التوبة: “إليك المفرّ يا رب، هربتُ من ذنوبي التي أثقلتني إلى مغفرتك التي تسعني، فلا تردني خائباً.”
كل شيء تهرب منه تبتعد عنه، إلا الله.. تهرب إليه فتقترب منه وتأمن
