بقلم د.نادي شلقامي
حين تُباع الأصول في مزاد العملات
في أوطاننا، لم تكن “الجدعنة” مجرد كلمة، بل كانت الدستور غير المكتوب الذي يحكم الشوارع والبيوت؛ كانت السبيكة التي صُهرت منها الهوية العربية، والشهامة التي نوزعها على العالم بلا ثمن. لكننا اليوم نقف أمام مشهد تراجيدي يدمي القلب: فما إن تطأ أقدامنا أرض الغربة، حتى تنكسر بوصلة القيم، وتبدأ المبادئ في التساقط كأوراق الخريف من حقائب السفر.
نحن هنا لا نتحدث عن “تعب الغربة”، بل عن “زلزال الهوية” وظاهرة “المسخ الأخلاقي” التي حوّلت “ابن البلد” الذي كان يقتسم الرغيف مع عابر السبيل، إلى غريبٍ حذر يخشى حتى ظله، ويرى في أخيه المغترب عبئاً يهدد استقراره أو منافساً يطمع في رزقه. إنها مأساة المروءة التي تاهت في “مولد” الدولار والدينار، حيث طغى صخب المادة على صوت الضمير، وصار شعار “أنا ومن بعدي الطوفان” هو الديانة الجديدة في منافي الاغتراب.
في هذا التقرير، نفتح الجرح لنشرح الأسباب الكامنة وراء هذا التحول المخيف؛ هل هي ضغوط البقاء التي تقتل الرحمة؟ أم هي الرأسمالية المتوحشة التي حوّلتنا إلى أرقام؟ وكيف تاهت منا “أصول الجدعنة” في زحام البحث عن الثروة؟
أولاً….. الجانب النفسي..
(سيكولوجية الخوف وتوهم الندرة)
— عقلية “البقاء للأقوى”: يسيطر على المغترب شعور دائم بالتهديد، مما يفعّل “نظام النجاة” لديه، فيتحول التركيز من “نحن” إلى “أنا” لحماية المكتسبات المادية البسيطة.
— إعادة إنتاج المعاناة: يمارس البعض قسوة غير واعية؛ فبما أنه “تعذب” في بداياته، يرى أن من حق القادم الجديد أن يتجرع نفس المرارة، كنوع من الانتقام النفسي من الماضي.
ثانياً…. الجانب الاجتماعي..
(تفتت العقد الأخلاقي)
— غياب الرقابة الاجتماعية: في الوطن، كانت النخوة جزءاً من الوجاهة الاجتماعية وخشية “كلام الناس”. في الغربة، يختفي هذا الضغط، وتظهر الأنانية المستترة خلف قناع الفردية.
— الاندماج المشوه: محاولة تقليد المجتمعات الباردة في “خصوصيتها”، واعتبار مساعدة ابن البلد نوعاً من “التطفل” أو العبء الذي يعيق التأقلم.
ثالثاً….التحليل الاقتصادي-ثقافي..
(سم الرأسمالية واغتيال الروح الجماعية)
— ضغط الرأسمالية المتوحشة: في مجتمعات “الوقت هو المال”، يصبح النجاح قياساً بالتراكم المادي فقط، مما يجعل مساعدة الآخرين “خسارة اقتصادية” محتملة، فتذوب روابط الدم في بحر المنافسة.
— انهيار الهوية الثقافية: الاندماج القسري في ثقافات فردية يمحو تدريجياً “الروح الجماعية”، ويحوّل “ابن البلد” من حليف وسند إلى “منافس شرس” على فرص العمل والسكن.
رابعاً…. الجانب الديني..
(غربة اليقين وانفصام المعاملة)
— غياب فقه “العون”: نسيان اليقين بأنَّ مَن كان في عون أخيه كان الله في عونه، وتغليب فقه “الشح” على فقه “البركة”.
— التدين الشكلي: الالتزام بالشعائر مع جفاف القلب، حيث يصبح الدين مجرد طقوس لا تُترجم إلى مواقف شهامة ومساندة للملهوفين.
وختاما…. صرخة في ضمير المغترب
إنَّ النجاح الذي يُبنى على جثث المروءة هو إخفاقٌ مُقنّع، والثروة التي تُجمع بقلبٍ شحيح على ابن الموطن هي فقرٌ روحيٌّ لا تسده كنوز الأرض. يا أيها المغترب، إنَّ “الجدعنة” ليست ترفاً، بل هي “زكاة وجودك” في أرض الله، وابن بلدك الذي تقابله في شدته هو “امتحانك الأخلاقي” الأكبر. تذكر أنَّ المناصب تزول، والأموال تفنى، ولا يتبقى في ذاكرة الغربة إلا موقف نبيل أنقذ ملهوفاً. لا تترك صقيع المادية يجمّد دماء النخوة في عروقك، فالمعدن الأصيل يلمع تحت الضغط ولا يصدأ، وكن أنت الوطن لمن لا وطن له، لعل الله يفتح لك بصدقك أبواباً لم تكن تظنها تُفتح.
