كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
يُعد صوم شهر رمضان أحد أعظم أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المسلمين البالغين العاقلين القادرين عليه، كما قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
ومع أهمية هذه العبادة، جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج يقوم على التيسير ورفع الحرج، فأقرت عدة رخص للإفطار مراعاةً لظروف بعض الفئات التي قد تتضرر من الصيام. هذه الاستثناءات ليست خروجاً عن روح العبادة، بل تأكيد على رحمة الله ولطفه بعباده، حيث تختلف الأحكام حسب طبيعة العذر بين من لا يجب عليهم الصوم أصلاً، ومن يُفطر مع القضاء، ومن يُفطر مع دفع الفدية.
من لا يجب عليهم الصيام أصلاً (غير المكلَّفين)
هؤلاء لا يلزمهم الصوم ولا القضاء ولا الفدية، لعدم اكتمال شروط التكليف:
الصغير غير البالغ: لا يجب عليه الصيام، لكن يمكن تعويده عليه تدريجياً لتنشئته على العبادة.
المجنون أو فاقد الأهلية العقلية: لا يتعلق به التكليف، لحديث النبي ﷺ: “رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل.”
من يرخص لهم الإفطار مع وجوب القضاء
وهم أشخاص قادرون على الصوم في الأصل، لكن يمنعهم عذر مؤقت، ويجب عليهم القضاء بعد زوال العذر، لقوله تعالى:﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
المريض مرضاً طارئاً: إذا كان الصيام يؤثر على صحته أو يؤخر شفاؤه.
المسافر: الذي تتحقق فيه شروط السفر الشرعي الذي يُباح معه القصر.
الحائض والنفساء: لا يصح صومهما، ويحرم عليهما الصيام في هذه الفترة، ويلزمهما القضاء فقط.
الحامل والمرضع: إذا خافتا على نفسيهما أو على الجنين/الرضيع من ضرر الصيام، جاز لهما الفطر مع قضاء الأيام لاحقاً.
من يرخص لهم الإفطار مع دفع الفدية (دون قضاء)
وهم الذين يعجزون عن الصيام عجزاً دائماً لا يُرجى زواله، ويكتفون بإطعام مسكين عن كل يوم:
كبير السن: الذي لا يتحمل الصوم أو يسبب له مشقة شديدة.
المريض مرضاً مزمناً: الذي لا يُتوقع شفاؤه ويستحيل عليه الصيام.
كمال العبادة في حفظ الأمانة
إنَّ رخص الإفطار التي شرعها الله ليست مجرد تخفيف، بل هي دعوة صريحة للحفاظ على أمانة الجسد؛ فالمسلم القوي أحب إلى الله من المسلم الضعيف. ومن تمام شكر هذه النعمة، أن يحسن المسلم —سواء كان صائماً أو مفطراً لعذر— رعاية جسده بما أعطاه الله من طيبات الأرض.
لذا، يُنصح بالتركيز على الخضروات والفواكه الغنية بالماء (مثل البطيخ، الخيار، الكوسا، والحمضيات) في النظام الغذائي الرمضاني. فهي ليست مجرد غذاء، بل هي وسيلة فعالة لتعويض السوائل، ودعم المريض في رحلة شفائه، وإعانة كبير السن والمرضع على استعادة نشاطهم. فالله سبحانه الذي أحبَّ أن تُؤتى رخصه، يحبُّ أيضاً أن نعتني بهذا البناء الإنساني ليكون قادراً على عبادته وعمارة أرضه بيُسرٍ وطمأنينة.
