بقلم د.نادي شلقامي
غُربة الروح في حضرة الميقات
ما إن تهبُّ على الوجودِ نفحاتُ “الميقاتِ الربانيِّ” في رمضان، حتى تبحثَ الأرواحُ عن مرافئ السكينةِ، وتتوقَ القلوبُ إلى الانعتاقِ من قيدِ المادةِ وهجيرِ الشهوات. بيدَ أنَّ صائم اليوم باتَ يواجهُ “اجتياحاً رقمياً” صامتاً، يقتحمُ عليه مِحرابَ خلوتِه، ويُبعثرُ جَمْعيةَ قلبهِ التي هي جِماعُ الخيرِ كله. إننا أمام حالة من “الاستلابِ السلوكيِّ” المنظم، حيثُ تشيرُ الإحصاءاتُ الميدانيةُ إلى أنَّ ساعاتِ المكوثِ أمام الشاشاتِ في العالم الإسلاميِّ تقفزُ بنسبةِ 66% خلال الشهر الفضيل، لتتحولَ “السيولةُ التقنيةُ” إلى ثقوبٍ سوداء تبتلعُ أثمنَ ما يملكه الصائم: “زمنَ الاتصالِ بالله”. إنَّ الخطرَ لا يكمنُ في الآلةِ ذاتها، بل في “هندسةِ الانتباه” التي تُحيلُ العبادةَ من تجربةٍ روحيةٍ عميقةٍ تسمو بالروحِ إلى مَلَكوتِ السماء، إلى مجردِ “محتوىً بصريٍّ” مسطحٍ يغرقُ في ضجيجِ “التريند” وزيفِ العرض، مما يهددُ جوهرَ الصيام ويُفرغُه من مقاصدِه الروحيةِ والتربوية.
— التشريح البنيوي لضياع الأجر (عناصر التقرير)
أولا… سيكولوجية “التشتيت” وتفتيت الخشوع:
— تعتمدُ المنصاتُ خوارزمياتٍ تهدفُ لاستبقاءِ المستخدمِ في “حلقةِ استثارةٍ دائم”؛ مما يضربُ ركنَ “الخلوةِ” في مقتله.
— فالصائمُ الذي يقطعُ وردَه القرآنيَّ ليتفقدَ إشعاراته، لا يقطعُ زمناً فحسب، بل يقطعُ “التدفقَ الروحي” (Spiritual Flow)، ويحرمُ عقله من الوصولِ إلى حالةِ “الطمأنينةِ العميقة” التي هي ثمرةُ التدبر.
ثانيا… صيامُ الجوارحِ في مَهبِّ “الفضولِ الرقمي”:
— الصومُ الحقيقيُّ هو “كفُّ الجوارح”، والسوشيال ميديا هي مَجمعُ “اللغوِ والرفثِ الرقمي”.
— فبينما يمتنعُ اللسانُ عن الطعام، يقعُ الصائمُ في “الغيبةِ الإلكترونية” عبر التعليقات، أو “التلصصِ البصري” على عوراتِ البيوت، مما يخدشُ جلالَ الشهر ويُدخلُ العبدَ في زمرةِ مَن ليس للهِ حاجةٌ في صومِهم.
ثالثا….”فخُّ المقارنة” واغتيالُ نِعمةِ الرضا:
— يُحوّلُ الضجيجُ الرقميُّ رمضانَ إلى “معرضٍ للمباهاة”، حيثُ تُستعرضُ الموائدُ والزيناتُ، مما يورثُ القلوبَ “فقراً معنوياً” وتطلعاً لما عند الغير.
— هذا الاستنزافُ النفسيُّ يتناقضُ مع فلسفةِ “الزهدِ الاختياري” في رمضان، ويحولُ القناعةَ إلى حسرة، والشكرَ إلى سخطٍ خفي.
رابعا… استنزافُ “الأوقاتِ المكتنزة” (السحر والتبكير):
— تشيرُ التقاريرُ إلى أنَّ ذروةَ الاستخدامِ الرقميِّ تقعُ في أطرافِ النهار وساعاتِ السحر؛ وهي الأوقاتُ التي جعلها اللهُ “وعاءً للاستغفارِ والدعاء”.
— اللصُّ الرقميُّ هنا يسرقُ “خبيئةَ العمل”، ويستبدلُ مناجاةَ الخالقِ بملاحقةِ توافهِ الخَلْق.
خامسا… فوائد “الصيام الرقمي..
( في مدرسة رمضان)
إنَّ الانقطاع الواعي عن ضجيج الشاشات (Digital Detox) في رمضان يحقق فوائد كبرى تتجاوز استثمار الوقت:
1- استعادة الصفاء الذهني:
يعمل الصيام الرقمي على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل “القلق المعرفي”، مما يتيح للذاكرة والقلب مساحة أكبر لاستيعاب أنوار الوحي وتذوق حلاوة المناجاة.
2- تحقيق “الحضور” مع الخالق والخلق:
بعيداً عن الشاشات، يستعيد الصائم صلته الحقيقية بنفسه وبأهله، ويتحول من “كائن افتراضي” إلى إنسان يتصل بقلبه مع ربه، وبجسده ووجدانه مع محيطه الأسري والاجتماعي.
3- تعزيز مَلَكة الصبر والتحكم:
الصيام عن الطعام هو تدريب على شهوة البطن، والصيام الرقمي هو تدريب على “شهوة الاطلاع والفضول”، وهو أسمى أنواع التحكم في الذات في العصر الحديث.
4- إحياء سُنّة “الخلوة”:
كان النبي ﷺ يختلي بربه في غار حراء ثم في اعتكافه، والصيام الرقمي هو “اعتكاف عصري” يمنحك الفرصة لمراجعة حساباتك وتجديد توبتك بعيداً عن أحكام البشر وتقييماتهم.
وختاما…. إعلانُ الاستقلال الروحيِّ (ذروة البيان)
إنَّ معركةَ “الانتباهِ” في هذا الزمان هي الجهادُ الأكبرُ لكلِّ من أرادَ لرمضانِه أن يكونَ معراجاً للقبول، لا مجردَ امتناعٍ آليٍّ عن الأكلِ والشراب.
إنَّ الخروجَ بقلبٍ سليمٍ من عواصفِ “السيولةِ التقنية” يقتضي شجاعةً في اتخاذِ قرارِ “العزلةِ المختارة”؛ فليسَ الذكاءُ في ملاحقةِ كلِّ “تغريدة”، بل في الإعراضِ عن كلِّ ما يَقطعُكَ عن الله.
فليكن صيامُنا هذا العامَ “هجرةً من عالمِ الأرقامِ الفانية.. إلى رحابِ الأنوارِ الباقية”، ولنتذكرْ أنَّ الهاتفَ شاشةٌ صغيرةٌ، لكنها قادرةٌ على حجبِ “رؤيةِ السماء” عن بصيرتك.
إنَّ الزمنَ يهرولُ، والفرصَ تغادرُ، والشاشاتُ لن تُعيدَ لكَ دقيقةً واحدةً ضاعت من “ليلةِ القدر”. فاسترجعوا أرواحكم من أسرِ “اللايكات”، وصونوا مِحرابَ قلوبكم من لصوصِ التقنية؛ فقد آنَ لهذا القلبِ أن ينصتَ لخريرِ الوحي، ويستريحَ من صخبِ البَشر، ليحيا في كنفِ ربِّ البشر..
فهل أنتم لنداءِ السماءِ مجيبون؟
