بقلم د.نادي شلقامي
— بين انكسار الموج وهدير المدافع
في قلب الشرق الأوسط، حيث يتشابك عبق التاريخ بدخان الجغرافيا السياسية، تقف التوترات الأمريكية-الإيرانية كملحمة وجودية تتصادم فيها أحلام “الثورة” بطموحات “الإمبراطورية”.
منذ زلزال 1979 الذي غيّر وجه المنطقة، وصولاً إلى فبراير 2026 الذي يشهد عودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض، انتقل الصراع من الأروقة الدبلوماسية إلى حافة الهاوية.
اليوم، وفي ظل تحالف استراتيجي متصاعد بين طهران وموسكو، لم يعد النزاع ثنائياً، بل بات اختباراً دولياً تتداخل فيه طموحات النووي بأمن الطاقة العالمي.
فبين مفاوضات متعثرة في جنيف، وحشد عسكري في بحر عُمان، يرتسم السؤال المصيري: هل يذيب الحوار جليد الشكوك، أم أننا أمام انفجار وشيك يغيّر خارطة القوى، ويهدد شريان الحياة في الخليج، ويضع العالم بأسره تحت رحمة الفوضى؟
أولا… الخلفية التاريخية والأسباب الجذرية
— تجذر التوترات الأمريكية-الإيرانية في عقود من التنافس الإيديولوجي والاستراتيجي.
— بدأت الأزمة بانقلاب 1953 الذي دعمته الولايات المتحدة ضد حكومة محمد مصدق، مروراً بأزمة الرهائن في 1979، وصولاً إلى حرب العراق-إيران (1980-1988) التي شهدت دعماً أمريكياً لصدام حسين.
— في العقود الأخيرة، أصبح البرنامج النووي الإيراني محور الصراع، مع اتهامات أمريكية بأن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية، رغم نفي طهران ذلك وتأكيدها على الاستخدام السلمي.
–انسحاب ترامب من الاتفاق النووي (JCPOA) في 2018 فرض عقوبات قاسية، مما دفع إيران إلى تسريع تخصيب اليورانيوم إلى 60%، مقتربة من المستوى العسكري (90%).
— هذه الخلفية تكشف عن صراع أعمق: الولايات المتحدة ترى في إيران تهديداً لمصالحها الإقليمية، بينما ترى إيران في أمريكا قوة استعمارية تسعى للهيمنة، مع دور روسيا كحليف يعزز موقف إيران.
ثانيا….التطورات الأخيرة في فبراير 2026
— شهد فبراير 2026 تصعيداً ملحوظاً، مع جولة ثانية من المفاوضات غير المباشرة في جنيف بوساطة عمانية.
— أعلن الجانب الإيراني، عبر وزير الخارجية عباس عراقجي، اتفاقاً على “مبادئ توجيهية”، لكن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أكد أن إيران لم تقبل بعد بالخطوط الحمراء الأمريكية، مثل وقف تخصيب اليورانيوم تماماً وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية. في الوقت نفسه، أجرت إيران وروسيا تدريبات بحرية مشتركة في بحر عمان، مغلقة جزءاً من مضيق هرمز مؤقتاً، في رسالة تحذيرية للولايات المتحدة.
— أرسلت أمريكا حاملة طائرات ثانية (يو إس إس جيرالد فورد) إلى المنطقة، مع عشرات الطائرات المقاتلة، مما يشير إلى استعداد عسكري لضربات محتملة قد تستمر أسابيع.
— تقارير إعلامية تشير إلى أن الجيش الأمريكي جاهز لضربات في نهاية الأسبوع، لكن ترامب يصر على تفضيل الاتفاق الدبلوماسي.
ثالثا….المواقف الاستراتيجية: بين الضغط والردع
1- الموقف الأمريكي:
— تعتمد إدارة ترامب سياسة “الضغط الأقصى”، مطالبة إيران بوقف التخصيب النووي، تقليص برنامج الصواريخ، وتفكيك شبكاتها الإقليمية (مثل حزب الله والحوثيين).
— يرى ترامب في الضربات العسكرية خياراً لتغيير النظام، مع تصريحات مثل “سيكون من الحكمة لإيران عقد صفقة”، محذراً من عواقب عدم الامتثال. — ومع ذلك، هناك مخاوف داخلية من تكاليف حرب طويلة، خاصة مع دعم إيران من روسيا وصين، مما يجعل الدبلوماسية خياراً مفضلاً لكن مشروطاً.
2- الموقف الإيراني:
— رفض المرشد الأعلى علي خامنئي المطالب الأمريكية، مؤكداً حق إيران في “الصناعة النووية” والأسلحة الرادعة.
— اقترحت إيران وقفاً مؤقتاً للتخصيب لمدة ثلاث سنوات أو إنشاء مرفق إقليمي للتخصيب، لكنها ترفض التنازل الكامل.
— تستخدم إيران شبكاتها الإقليمية وعلاقاتها مع روسيا وصين كأدوات ردع، محذرة من إغلاق مضيق هرمز إذا تعرضت لهجوم، مما يهدد 20% من تجارة النفط العالمية.
— يرى محللون أن إيران تشتري الوقت، مستفيدة من ضعفها الداخلي بعد احتجاجات يناير، لكنها مستعدة لمواجهة محدودة لإجبار ترامب على إعادة التفاوض.
رابعا… أبعاد القوة الجديدة في 2026..
لتعميق فهم المشهد، تبرز أربعة أبعاد حاسمة في موازين القوى الحالية:
1- حرب “المسيرات” والذكاء الاصطناعي: لم يعد الصراع يقتصر على الأسلحة التقليدية؛ إيران طورت تكنولوجيا “الأسراب” المدعومة بالذكاء الاصطناعي، القادرة على استهداف الدفاعات الجوية والقواعد بتكلفة منخفضة، مما يربك حسابات التفوق الجوي الأمريكي.
2- التمرد النقدي (حرب العملات): تعمل روسيا وإيران على ربط أنظمتهما المصرفية (مير وشتاب) لتسهيل التجارة بعيداً عن “سويفت”، مما يجعل العقوبات الاقتصادية الأمريكية أقل تأثيراً ويدفع واشنطن نحو خيارات أكثر خشونة.
3- أمن المياه والغذاء: يمثل الصراع تهديداً وجودياً لدول الخليج يتجاوز النفط؛ فأي تلوث في مياه الخليج نتيجة العمليات العسكرية سيوقف محطات التحلية التي توفر 90% من مياه الشرب، مما يحول الأزمة من طاقة إلى عطش.
4- السيناريو الرمادي (لا حرب ولا سلم): المرجح هو “الصدام المحدود الممنهج”؛ ضربات سيبرانية وغارات جراحية تبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم، مما يبقي أسعار النفط مرتفعة ويخدم الخزينة الروسية دون الانزلاق لحرب شاملة.
خامسا..الدور الروسي والتأثيرات الإقليمية والدولية
أ- الدور الروسي:
– تلعب روسيا دوراً حاسماً في تعزيز التوترات، كحليف استراتيجي لإيران يوفر دعماً عسكرياً ودبلوماسياً.
— من خلال التمارين البحرية المشتركة في بحر عمان والمحيط الهندي الشمالي، تسعى موسكو لتحدي الهيمنة البحرية الأمريكية قرب مضيق هرمز، مما يزيد من الضغط على واشنطن.
— روسيا تحث على الضبط والحوار، محذرة من عواقب أي هجوم أمريكي قد يؤدي إلى حادث نووي أو تصعيد إقليمي، كما أكد وزير الخارجية سيرغي لافروف.
— مع تعميق التعاون العسكري، خاصة في توريد إيران للطائرات المسيرة إلى روسيا في حرب أوكرانيا، ترى روسيا في إيران أداة لفرض تكاليف على الولايات المتحدة وحلفائها.
— ومع ذلك، تتجنب موسكو التدخل المباشر، مفضلة الوساطة للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، كما في زيارات قادة إيرانيين إلى الكرملين لمناقشة البرنامج النووي.
ب- التأثيرات علي المنطقة..
يؤثر التوتر على المنطقة بأكملها:
1- إسرائيل تدعو لضربات قوية، الدول الخليجية (مثل السعودية والإمارات وقطر) تحذر من التصعيد وتدعم الدبلوماسية، بينما يخشى العالم ارتفاع أسعار النفط وانهيار الاقتصاد.
2- روسيا والصين يدعمان إيران، مما يعزز محوراً مضاداً للهيمنة الأمريكية. اقتصادياً، يقدر السوق فرصة 70% لضربة أمريكية بحلول يونيو 2026، مما يعزز الدولار ويضعف الأسواق الناشئة.
3- أما إذا اندلعت الحرب، فسيكون التأثير على الخليج كارثياً:
أ- إيران قد ترد بمهاجمة قواعد أمريكية في المنطقة، أو إغلاق مضيق هرمز، مما يعطل 20% من إمدادات النفط العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار البرميل إلى 80-100 دولار.
ب- دول الخليج تواجه مخاطر على بنيتها التحتية النفطية، محطات التحلية، والاقتصادات، مع مخاوف من صراع إقليمي يجذبها إلى النزاع، رغم جهودها الدبلوماسية للتهدئة.
ج- هذا يهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني، مع إمكانية انقطاع الغاز والنفط، وتفاقم التوترات الداخلية.
سادسا .. السيناريوهات المحتملة: حرب أم دبلوماسية؟
— في سيناريو الحرب، قد تؤدي ضربات أمريكية إلى رد إيراني عبر وكلائها أو مباشرة، مما يؤدي إلى صراع طويل ومكلف، خاصة مع دعم روسيا الذي يزيد من التعقيد.
— أما الدبلوماسية، فتتطلب تنازلات متبادلة:
1- اتفاق نووي جديد مع رفع عقوبات. المخاطر عالية، لكن الفرصة موجودة إذا سادت الحكمة، خاصة مع استمرار المفاوضات في أسبوعين.
2- إذا اندلعت الحرب، سيؤثر ذلك بشكل مباشر على الخليج، مع إمكانية هجمات على المنشآت النفطية والقواعد، مما يهدد الاقتصاد العالمي.
وختاما…. حكمة البقاء في مهب الريح
في نهاية هذه الملحمة التي تشبه أسطورة بابلية، حيث تتصادم الإمبراطوريات كالنجوم في سماء القدر، يظل السؤال معلقاً: هل ستغلب الحكمة على الطيش، أم ستسقط السيوف قبل الكلمات؟ التوترات الأمريكية-الإيرانية، مع دور روسيا الداعم والوسيط، ليست مجرد نزاع بين قوتين، بل مرآة لعالم متعدد الأقطاب يتطلب احتراماً متبادلاً وحواراً بناءً.
إذا انتصرت الدبلوماسية، فستفتح أبواباً لسلام مستدام، يحمي الخليج من نيران الحرب، ويبني جسوراً للتعاون الاقتصادي والأمني، بعيداً عن كارثة إغلاق المضائق وتدمير الاقتصادات.
أما إذا سادت التهديدات، فستكون النتيجة كارثة عالمية، تذكرنا بأن السلام ليس رفاهية، بل ضرورة. إن عام 2026 لا يختبر فقط قدرة واشنطن وطهران على التفاوض، بل يختبر نضج النظام الدولي برُمته؛ الصراع القادم لن يحدد فقط من يمتلك الذرة، بل من يمتلك الرصانة لقيادة العالم في عصر ما بعد القطب الواحد.
فلنتعلم من دروس التاريخ، ولنأمل في مستقبل يجمع الشرق بالغرب، حيث يتحول التوتر إلى تقارب، ويصبح الخليج واحة سلام لا بحراً من الدمار.
