بقلم: السيد عيد
في خيمة “حديث وطن”، كانت الفوانيس تتدلّى كنجوم صغيرة، تتمايل مع نسمات المساء، وتلوّن القماش بأضواء ذهبية دافئة. رائحة المحشي تختلط بعبق الشوربة الساخنة، وصوت الأطباق يتناغم مع همسات المنتظرين للحظة الأذان.
السفرة امتدت كأنها طريق طويل من الأطباق الملونة؛ صواني محشي تفوح منها رائحة الشبت والنعناع، أطباق أرز أبيض يتصاعد منه البخار كأنّه دعاء صامت، وكاسات عصير تلمع تحت نور الفوانيس.
كل شيء كان كبيرًا… إلا المسافة بين القلوب.
طمطم:
– شوفوا السفرة! دي تكفي حيّ بحاله!
بوجي:
– إحنا خمسة… ليه عاملين حساب خمسة وخمسين؟
في الركن، كان فطوطة يحاول التسلّق فوق كرسي، وعيناه تلمعان شوقًا.
فطوطة:
– أنا شايف طبق لوحده محتاج عزومة!
دخل زيكو وهو يشمّ الهواء بمرح.
زيكو:
– يا جماعة… أنا حاسس إن في صينية بتبصلي!
ضحك زيكا بخفة.
زيكا:
– دي مش بتبصلك… دي مستنية حد يقدّرها!
تعالت الضحكات، لكنها سكنت فجأة حين مرّ صبي صغير خارج الخيمة. توقف لحظة، نظر إلى السفرة نظرة خاطفة فيها شوق وحياء، ثم أكمل طريقه ببطء.
لاحظ بكار المشهد، وكانت تقف بجواره رشيدة بعينيها الهادئتين.
بكار:
– هويي يا صحابي… العزومة الحلوة ما تبقاش كاملة لو في حد معدّي وقلبه جعان.
رشيدة:
– اللي يشوف النعمة قدامه وما يلاقيش حد يقوله “اتفضل”… قلبه يوجعه أكتر من بطنه.
عدل عم شكشك جلسته وقال بصوته العميق.
عم شكشك:
– ما تكبروش الطبق… وتنسوا الجار.
ساد صمت خفيف يشبه لحظة ما قبل الأذان.
طمطم:
– تقصد إن الأكل مش أهم حاجة؟
ابتسم عم شكشك.
عم شكشك:
– الأكل مهم… بس الأهم مين بيشاركنا اللقمة. السفرة اللي عليها عشرة أطباق… من غير قلب… تفضل ناقصة.
حكّ زيكو رأسه ببراءة.
زيكو:
– يعني نزوّد كرسي؟
ضحك زيكا.
زيكا:
– لا… نزوّد قلب.
أخذت رشيدة طبقًا صغيرًا بيديها بحزم دافئ.
رشيدة:
– وأنا هاروح مع بكار… الخير لما يتقدّم بإيدين أكتر… يبقى أحلى.
ملأ بوجي الطبق بعناية، وحمله فطوطة بكل جدية رغم أنه أكبر من يديه، وكأنه يحمل رسالة لا طعامًا. خرج بكار ورشيدة خلف الصبي، وكانت السماء تلبس لون الغروب، وصوت المساجد يستعد للنداء.
بعد دقائق عادوا… والصبي يمشي بينهما مبتسمًا كأنّه وجد مكانه.
طمطم:
– غريبة… السفرة شكلها نور!
بوجي:
– يمكن عشان القلوب وسعت.
زيكو:
– أهو كده العزومة بقت مظبوطة!
زيكا:
– لما الخير يلفّ… بيرجع أكبر.
رفع عم شكشك كوب الماء بوقار.
عم شكشك:
– أول عزومة في رمضان مش اختبار مهارة في الطبخ… هي اختبار مساحة في القلب.
وفجأة ارتفع صوت الأذان. تلاقت الأيدي على التمر والماء، واختلطت الدعوات بالدموع الخفيفة، وكان الطعم مختلفًا… أخفّ، وأدفأ، وأصدق.
الحكمة:
البركة لا تُقاس بعدد الأطباق… بل بعدد من نُشركهم فيها.
