كتب : جمال حشاد
في زمن كثرت فيه التحديات الأخلاقية وتغيرت فيه القيم، بات من الضروري أن نستحضر القاعدة الذهبية التي أرسى دعائمها الإسلام والرسالات السماوية كافة: ابدأ بنفسك. فالدعوة إلى الأخلاق الحميدة لا تكون فقط بالكلام، وإنما بالفعل والسلوك والقدوة الصالحة.
القدوة قبل الكلمة
حين قال النبي محمد ﷺ: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”, لم يكن مجرد واعظ بالكلام، بل كان أول من يطبق تلك الأخلاق في حياته اليومية. وكان أثر ذلك عظيمًا في نفوس من حوله. فالشخص الذي يتحلى بالصبر، والصدق، والرحمة، والتسامح، يصبح مصدر إلهام وتأثير يفوق آلاف الخطب والكتب.
الإصلاح يبدأ من الداخل
كثيرًا ما يطالب الناس بإصلاح المجتمع ومكافحة الفساد ونشر القيم، بينما يغفلون عن أنفسهم. ولكن الحقيقة أن التغيير الحقيقي يبدأ من الذات. قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”. فبصلاح الفرد تصلح الأسرة، وبصلاح الأسرة يصلح المجتمع.
الدعوة بالأخلاق.. أقوى من الألفاظ
الأخلاق الحميدة ليست مجرد شعارات، بل سلوك يومي يظهر في معاملاتنا مع الناس. حين يراك الناس تتعامل بأمانة في عملك، وتعفو عمَّن ظلمك، وتحترم الكبير وتحنو على الصغير، فإنك بذلك تدعو إلى الفضيلة دون أن تنطق بكلمة. وهذا ما يسمى بـ”الدعوة الصامتة”، وهي من أبلغ وسائل التأثير.
كيف نبدأ؟
راقب نفسك في المواقف اليومية، وكن صادقًا، متواضعًا، متعاونًا.
واجه الأخطاء بأدب، ولا تنصب نفسك وصيًا على الناس، بل كن ناصحًا لا فاضحًا.
شارك في نشر القيم النبيلة، عبر وسائل التواصل أو الأنشطة المجتمعية.
لا تيأس إن لم ترَ الأثر فورًا، فبذور الأخلاق تحتاج وقتًا لتنمو.
في عالم مليء بالتحديات والضغوط، تظل الأخلاق هي الحصن المنيع الذي يحمي الإنسان والمجتمع. وإذا أردنا فعلاً أن ننهض بأمتنا ونبني جيلاً صالحًا، فلنبدأ بأنفسنا، ولنكن نحن التغيير الذي نريد أن نراه في الآخرين.
إنّ الأطفال لا يتعلّمون الأخلاق من الكتب فقط، بل من تصرفاتنا اليومية. فإذا رأى الطفل والده يلتزم بالصدق، ويعترف بخطئه، ويتعامل مع الآخرين بلطف واحترام، سيتشرب هذه القيم تلقائيًا. وكذلك الأمر في المدرسة، حين يكون المعلم قدوة في الانضباط وحسن الخلق، تصبح كلماته أكثر تأثيرًا في نفوس طلابه.
المجتمع مرآة أفراده
عندما يتحلى معظم أفراد المجتمع بالأخلاق الحميدة، ينعكس ذلك على كل نواحي الحياة: تقل الجرائم، تتحسن العلاقات، يزيد التعاون، ويعمّ السلام. أما عندما تضعف القيم الأخلاقية، تظهر الفوضى، وينتشر الحقد، ويصبح القانون وحده غير كافٍ لضبط السلوك.
الدين والأخلاق لا يفترقان
في كل الأديان، نجد أن الأخلاق جزء لا يتجزأ من العبادة. فالصلاة مثلًا، لا تكتمل إذا لم تنهَ صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والزكاة لا تؤتي ثمارها إذا كان صاحبها متكبرًا أو يؤذي الآخرين. فالدين لا يقتصر على الطقوس، بل يظهر أثره الحقيقي في سلوك الإنسان.
ابدأ اليوم
ابدأ بنفسك، لا تنتظر الآخرين. بادر بإصلاح ذاتك، وتخلَّ عن السلبية والشكوى. كن صادقًا، متسامحًا، مهذبًا في حديثك، لطيفًا في تعاملك. وادعُ غيرك للأخلاق الحميدة من خلال أفعالك قبل كلماتك.
الأخلاق ليست مجرد واجب ديني أو التزام اجتماعي، بل هي أسلوب حياة، ومصدر قوة حقيقية للفرد والمجتمع. وكلّنا مسؤولون عن نشرها، ولكن البداية الحقيقية لن تكون إلا من أنفسنا. فليكن شعارنا: غيّر نفسك، يتغير العالم من حولك.
